الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٠ - تمثيل هند و صواحباتها بقتل المسلمين
كان أوّل من عرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعد الهزيمة و قول الناس: قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم- كما حدّثني ابن شهاب الزّهري- كعب/ بن مالك أخو بني سلمة. قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر، فناديت/ بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم! فأشار إليّ عليه السلام: أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نهضوا به، و نهض نحو الشعب معه أبو بكر بن أبي قحافة، و عمر بن الخطاب، و عليّ بن أبي طالب، و طلحة بن عبيد اللّه، و الزّبير بن العوّام، و الحارث بن الصّمة، في رهط من المسلمين رضي اللّه عنهم أجمعين.
قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أبيّ بن خلف:
فلما أسند [١] رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في الشّعب، أدركه أبيّ بن خلف و هو يقول: يا محمد [٢] لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول اللّه أ يعطف عليه رجل منا؟ فقال: دعوه. فلمّا دنا تناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الحربة من الحارث بن الصّمّة. قال: يقول بعض الناس فيما ذكر لي: فلما أخذها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشّعراء [٣] عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ بها عن فرسه مرارا [٤]. و كان أبيّ بن خلف- كما حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق عن صالح عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف- يلقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بمكة فيقول: يا محمد، إنّ عندي العود أعلفه كلّ يوم فرقا من ذرة [٥] أقتلك عليه! فيقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: بل أنا أقتلك إن شاء اللّه تعالى. فلما رجع إلى قريش و قد خدشه في حلقه [٦] خدشا غير كبير، فاحتقن الدم قال: قتلني و اللّه محمّد! قالوا: ذهب و اللّه فؤادك، و اللّه ما بك بأس. قال: إنّه كان بمكة قال لي: أنا أقتلك،/ فو اللّه لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدوّ اللّه بسرف [٧] و هم قافلون به إلى مكة، فلما انتهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى فم الشّعب خرج عليّ بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس [٨] ثمّ جاء به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فشرب منه [٩] و غسل عن وجهه الدم، و صبّ على رأسه و هو يقول: «اشتدّ غضب اللّه عزّ و جلّ على من دمى وجه نبيه».
دعاء رسول اللّه على محاربيه:
قال محمد بن إسحاق: حدّثني صالح بن كيسان عمن حدّثه عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول: و اللّه ما حرصت على قتل رجل قطّ ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقّاص، و إن كان ما علمت لسيّئ ء الخلق مبغضا في قومه، و لقد كفاني منه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «اشتدّ غضب اللّه على من دمى وجه رسول اللّه».
تمثيل هند و صواحباتها بقتل المسلمين:
قال حدّثنا محمد بن إسحاق قال: حدّثني صالح بن كيسان قال:
[١] أسند فيه: رقى فيه.
[٢] في الطبري (٣: ١٩) «أين محمد»، لعلها «أي محمد».
[٣] في ها «الفراش» و في سائر الأصول «الشعر» صوابه من «الطبري و السيرة» ٥٧٥ جوتنجن. و «الشعراء» ذباب أحمر و قيل أزرق، يقع على الإبل و يؤذيها أذى شديدا.
[٤] تدأدأ: تدحرج.
[٥] الفرق: مكيال لأهل المدينة يسع ثلاثة أصواع.
[٦] الطبري «في عنقه».
[٧] سرف: موضع على ستة أميال من مكة.
[٨] المهراس: ماء بجبل أحد.
[٩] صواب النص كما في «السيرة» و الطبري (٣: ٢٠) «ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه و لم يشرب منه».