الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٤ - بكاؤه من سماع شعر حسان
فقال: أ تعرف هذه المنازل؟ قلت: لا. قال: هذه منازلنا في ملكنا بأكناف دمشق، و هذا شعر ابن الفريعة حسّان بن ثابت، شاعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.
إرساله صلة إلى حسان عند ما علم بأنه مضرور:
قلت: أما إنّه مضرور البصر كبير السنّ. قال: يا جارية هاتي. فأتته بخمسمائة دينار و خمسة أثواب من الدّيباج، فقال: ادفع هذا إلى حسّان و أقرئه منّي السلام.
بكاؤه من سماع شعر حسان:
ثم أرادني [١] على مثلها، فأبيت فبكى، ثم قال/ لجواريه: أبكينني. فوضعن عيدانهنّ و أنشأن يقلن:
/
تنصّرت الأشراف من عار لطمة
و ما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنّفني فيها لجاج و نخوة
و بعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمّي لم تلدني وليتني
رجعت إلى القول الذي قال لي عمر
و يا ليتني أرعى المخاض بقفرة
و كنت أسيرا في ربيعة أو مضر [٢]
و يا ليت لي بالشأم أدنى معيشة
أجالس قومي ذاهب السّمع و البصر
ثم بكى و بكيت معه حتّى رأيت دموعه تجول على لحيته كأنّها اللؤلؤ، ثمّ سلّمت عليه و انصرفت، فلما قدمت على عمر سألني عن هرقل و جبلة، فقصصت عليه القصّة من أوّلها إلى آخرها، فقال: أو رأيت جبلة يشرب الخمر؟
قلت: نعم. قال: أبعده اللّه، تعجّل فانية اشتراها بباقية، فلما ربحت تجارته، فهل سرّح معك شيئا؟ قلت: سرّح إلى حسان خمسمائة دينار و خمسة أثواب ديباج. فقال: هاتها. و بعث إلى حسّان فأقبل يقوده قائده حتّى دنا فسلّم، و قال: يا أمير المؤمنين، إنّي لأجد أرواح آل جفنة. فقال عمر رضي اللّه عنه: قد نزع اللّه تبارك و تعالى لك منه على رغم أنفه، و أتاك بمعونة. فانصرف عنه و هو يقول:
إنّ ابن جفنة من بقيّة معشر
لم يعذهم آباؤهم باللّوم
لم ينسني بالشّام إذ هو ربّها
كلّا و لا متنصّرا بالروم
يعطى الجزيل و لا يراه عنده
إلّا كبعض عطيّة المذموم
و أتيته يوما فقرّب مجلسي
و سقى فروّاني من الخرطوم [٣]
/ فقال له رجل في مجلس عمر: أتذكر قوما كانوا ملوكا فأبادهم اللّه و أفناهم؟! فقال: ممن الرجل؟ قال:
مزنيّ. قال: أما و اللّه لو لا سوابق قومك مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لطوّقتك طوق الحمامة. و قال: ما كان خليلي ليخلّ بي، فما قال لك؟ قال: قال إن وجدته حيّا فادفعها إليه، و إن وجدته ميّتا فاطرح الثياب على قبره، و ابتع بهذه الدنانير بدنا
[١] ما عدا ط، ها، مط، ج «راودني».
[٢] ما عدا، ط، ها، مط «بدمنة»، و ما أثبت من هذه النسخ يوافق ما في شروح «سقط الزند» ٣٠٢. و الخبر فيها برواية أخرى ٢٩٥- ٣٠٣.
[٣] الخرطوم، سبق تفسيرها في ص ١٦٠.