الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٦٣ - الشعر السابق لعيسى بن قدامة
خطبته
أيّها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، و من مات فات، و كلّ ما هو آت آت. ليل داج، و سماء ذات أبراج، بحار تزخر، و نجوم تزهر [١]، و ضوء و ظلام، و برّ و آثام، و مطعم و مشرب، و ملبس و مركب. مالي أرى الناس يذهبون و لا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا. و إله قسّ بن ساعدة ما على وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظلّكم زمانه، و أدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه فاتّبعه، و ويل لمن خالفه. ثم أنشأ يقول:
في الذّاهبين الأوّلي
ن من القرون لنا بصائر
لمّا رأيت مواردا
للموت ليس لها مصادر
و رأيت قومي نحوها
يمضي الأصاغر و الأكابر
أيقنت أنّي لا محا
لة حيث صار القوم صائر
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «يرحم اللّه قسّا، إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمّة وحده» [٢].
قصة شعر منسوب إلى قس
فقال رجل يا رسول اللّه: لقد رأيت من قسّ عجبا. قال: و ما رأيت؟ قال: بينا أنا بجبل [٣] يقال له سمعان [٤] في يوم شديد الحرّ، إذ أنا بقسّ بن ساعدة تحت ظلّ شجرة عند عين ماء، و عنده سباع، كلما زأر سبع منها على صاحبه ضربه بيده و قال: كفّ حتى يشرب الذي ورد قبلك. قال: ففرقت [٥]، فقال: لا تخف./ و إذا أنا بقبرين بينهما مسجد، فقلت له: ما هذان القبران؟ قال هذان قبرا أخوين كانا لي فماتا، فاتّخذت بينها مسجدا أعبد اللّه جلّ و عزّ فيه حتّى ألحق بهما. ثم ذكر أيامهما فبكى، ثم أنشأ يقول:
خليلي هبّا طالما قد رقدتما
أجدّكما لا تقضيان كراكما
أ لم تعلما أنّي بسمعان مفرد
و ما لي فيه من حبيب سواكما
أقيم على قبريكما لست بارحا
طوال الليالي أو يجيب صداكما
كأنّكما و الموت أقرب غاية
بجسمي في قبريكما قد أتاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقاية
لجدت بنفسي أن تكون فداكما
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «يرحم اللّه قسّا».
الشعر السابق لعيسى بن قدامة
و أما الحكاية عن يعقوب بن السكيت أنّ الشعر لعيسى بن قدامة الأسدي فأخبرني بها عليّ بن سليمان الأخفش، عن السكوني قال: قال يعقوب بن السكيت:
[١] تزهر: تتلألأ و تضىء.
[٢] الأمة: الرجل المنفرد بدين، كقوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً. و جاء مثله الحديث أنه قال «يبعث يوم القيامة زيد بن عمرو بن نفيل أمة على حدة». و ذلك أنه كان تبرأ من أديان المشركين و آمن باللّه قبل مبعث الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم.
[٣] إلى هنا ينتهي سقط ط الذي بدأ في ص ٢٤٥.
[٤] سمعان بالكسر: جبل في ديار بني تميم.
[٥] فرقت، بكسر الراء من الفرق، و هو الخوف و الفزع.