الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣ - خبر إساف و نائلة
له الآن شعب بن عامر فاصطلحوا هناك، و سلّموا الأمر إلى مضاض؛ فلمّا اجتمع له أمر مكّة، و صار ملكها دون السّميدع نحر للناس فطبخوا هناك الجزر، فأكلوا، و سمّي ذلك الموضع المطابخ. فيقال: إنّ هذا أوّل بغي بمكة، فقال مضاض بن عمرو في تلك الحرب [١]:
نحن قتلنا سيّد الحيّ عنوة
فأصبح منها و هو حيران موجع
- يعني أنّ الحيّ أصبح حيران موجعا-
و ما كان يبغي أن يكون سواؤنا
بها ملكا حتّى أتانا السّميدع [٢]
فذاق وبالا حين حاول ملكنا
و حاول منّا غصّة تتجرّع [٣]
و نحن عمرنا البيت كنّا ولاته
نضارب عنه من أتانا و ندفع
/ و ما كان يبغي ذاك في الناس غيرنا
و لم يك حيّ قبلنا ثمّ يمنع
و كنّا ملوكا في الدهور التي مضت
ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع
انتقام ممن استخف بحق البيت:
قال عثمان بن ساج في خبره:
و حدّثني بعض أهل العلم أنّ سيلا جاء فدخل البيت فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم، بناه لهم رجل منهم يقال له أبو الجدرة و اسمه عمر الجارود، و سمّي بنوه الجدرة. قال: ثم استخفّت جرهم بحقّ البيت، و ارتكبوا فيه أمورا عظاما، و أحدثوا فيه أحداثا قبيحة، و كان للبيت خزانة، و هي بئر في بطنه، يلقى فيها الحلي و المتاع الذي يهدى له، و هو يومئذ لا سقف عليه، فتواعد عليه خمسة من جرهم أن يسرقوا كلّ ما فيه، فقام على كلّ زاوية من البيت رجل منهم و اقتحم الخامس، فجعل اللّه عزّ و جلّ أعلاه أسفله، و سقط منكّسا فهلك، و فرّ الأربعة الآخرون.
خبر إساف و نائلة:
قالوا: و دخل إساف و نائلة [٤] البيت ففجرا فيه، فمسخهما اللّه حجرين، فأخرجا من البيت. و قيل إنّه لم يفجر بها في البيت، و لكنه قبّلها في البيت.
و ذكر عثمان بن ساج عن أبي الزناد، أنه إساف بن سهيل، و أنها نائلة بنت عمرو بن ذئب. و قال غيره: إنها نائلة بنت ذئب. فأخرجا من الكعبة، و نصبا ليعتبر بهما من رآهما، و يزدجر النّاس عن مثل ما ارتكبا، فلما غلبت خزاعة على مكة و نسي حديثهما، حوّلهما عمرو بن لحيّ بن كلاب بعد ذلك؛ فجعلها تجاه الكعبة يذبح عندهما عند موضع زمزم.
[١] الكلام بعده إلى قوله «ثم رموا بالجدب من خلفهم» ساقط من ط.
[٢] سواؤنا: لغة في سوانا.
[٣] أ «يتجرع».
[٤] هما اللذان يزعم العرب أنهما مسخا حجرين فجعلا صنمين يعبدان. و إساف، بفتح الهمزة و كسرها. و كان هذا الصنم على الصفا.
و أما نائلة فكان على المروة. و كان يذبح عليهما تجاه الكعبة.