الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٩ - مسلمة و يزيد بن معاوية
و من يطيق ابن هبيرة؟! حبابة بالليل، و هداياه بالنهار، مع أنه و إن بلغ فإنه رمل من بني سكين [١]. فلم تزل حبابة تعمل له حتى وليها.
حدّثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم يحدّث بهذا الحديث، فحفظته و لم أحفظ إسناده. و حدّثنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثني أحمد بن زهير قال: حدّثنا مصعب الزبيري، عن مصعب بن عثمان. و قد جمعت روايتيهما قالا:
أراد يزيد بن عبد الملك أن يشبّه بعمر بن عبد العزيز و قال: بما ذا صار عمر أرجى لربّه [٢] جلّ و عزّ منّي؟ فشقّ ذلك على حبابة؟ فأرسلت إلى الأحوص.
مسلمة و يزيد بن معاوية:
هكذا في رواية وكيع، و أما عمر بن شبّة فإنه ذكر أنّ مسلمة أقبل على يزيد يلومه في الإلحاح على الغناء و الشّرب، و قال له: إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز و عدله، و قد تشاغلت بهذه الأمّة عن النظر في الأمور، و الوفود ببابك، و أصحاب الظّلامات يصيحون، و أنت غافل عنهم. فقال: صدقت و اللّه، و أعتبه و همّ بترك الشّرب، و لم يدخل على حبابة أياما، فدسّت حبابة إلى الأحوص أن يقول أبياتا في ذلك و قالت له: إن رددته عن رأيه فلك ألف دينار. فدخل الأحوص إلى يزيد، فاستأذن في الإنشاد، فأذن له.
قال إسحاق في خبره: فقال الأحوص:
صوت
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا
فقد غلب المحزون أن يتجلّدا
بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لا مني
و من شاء آسى في البكاء و أسعدا
/ و إنّي و إن فنّدت في طلب الغنى
لأعلم أنّي لست في الحبّ أوحدا [٣]
إذا أنت لم تعشق و لم تدر ما الهوى
فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
فما العيش إلا ما تلذّ و تشتهي
و إن لام فيه ذو الشّنان و فنّدا [٤]
الغناء لمعبد، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، و فيه رمل للغريض. و يقال إنه لحبابة.
قال [٥]: و مكث جمعة لا يرى حبابة و لا يدعو بها، فلما كان يوم الجمعة قالت لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني. فلما أراد الخروج أعلمتها، فتلقّته و العود في يدها، فغنت البيت الأوّل، فغطّى وجهه و قال: مه لا تفعلي. ثم غنت:
و ما العيش إلا ما تلذّ و تشتهي
[١] سكين، بالتصغير: أحد أجداده، كما في ترجمة يزيد بن عمر بن هبيرة، في «وفيات الأعيان».
[٢] الرجاء: الخوف. قال عزّ و جلّ: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً، أي لا تخافون للّه عظمة.
[٣] التفنيد: التكذيب، و التعجيز و تخطئ الرأي.
[٤] الشنان و الشنآن: العداوة و البغض.
[٥] إلى هنا ينتهي سقط ط الذي سبق التنبيه عليه.