الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٥ - غناء طويس بشعر لأبي الطفيل
شدّة حزنه حين سمع غناء فيه رثاء ولده:
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني الزبير بن بكار قال: حدّثني بعض أصحابنا:
أن أبا الطفيل عامر بن واثلة دعي في مأدبة، فغنّت فيها قينة قوله يرثي ابنه:
خلّى طفيل عليّ الهمّ و انشعبا
و هدّ ذلك ركني هدّة عجبا
فبكى حتّى كاد يموت.
و قد أخبرني بهذا الخبر عمي عن طلحة بن عبد اللّه الطلحي، عن أحمد بن إبراهيم: أنّ أبا الطفيل دعي إلى وليمة فغنت قينة عندهم:
خلّى عليّ طفيل الهمّ و انشعبا
و هدّ ذلك ركني هدّة عجبا
و ابني سمية لا أنساهما أبدا
فيمن نسيت و كلّ كان لي وصبا
فجعل ينشج و يقول: هاه هاه طفيل! و يبكي حتّى سقط على وجهه ميتا.
و أخبرني محمد بن مزيد قال: حدّثنا حمّاد عن أبيه بخبر أبي الطفيل هذا، فذكر مثل ما مضى، و زاد في الأبيات:
فاملك عزاءك إن رزء بليت به
فلن يردّ بكاء المرء ما ذهبا
و ليس يشفي حزينا من تذكّره
إلّا البكاء إذا ما ناح و انتحبا
فإذ سلكت سبيلا كنت سالكها
و لا محالة أن يأتي الذي كتبا
فما لبطنك من ريّ و لا شبع
و لا ظللت بباقي العيش مرتغبا [١]
غناء طويس بشعر لأبي الطفيل:
و قال حمّاد بن إسحاق حدّثني أبي قال: حدّثني أبو عبد اللّه الجمحي عن أبيه قال:
/ بينا فتية من قريش ببطن محسّر يتذاكرون الأحاديث و يتناشدون الأشعار، إذ أقبل طويس و عليه قميص قوهيّ و حبرة قد ارتدى بها [٢]، و هو يخطر في مشيته، فسلّم ثم جلس، فقال له القوم: يا أبا عبد المنعم، لو غنّيتنا؟ قال:
نعم و كرامة أغنيكم بشعر شيخ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، من شيعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و صاحب رايته، أدرك الجاهلية و الإسلام، و كان سيّد قومه و شاعرهم. قالوا: و من ذاك يا أبا عبد المنعم فدتك أنفسنا؟ قال:
ذلك أبو الطّفيل عامر بن واثلة، ثمّ اندفع فغنى:
أ يدعونني شيخا و قد عشت حقبة
و هنّ من الأزواج نحوي نوازع
فطرب القوم و قالوا: ما سمعنا قطّ غناء أحسن من هذا.
[١] المرتغب: الراغب، كما في «القاموس». ما عدا ط، ها «بنا في العيش مرتعبا» تحريف.
[٢] القوهي: ثياب بيض منسوبة إلى قوهستان. و الحبرة، بالتحريك و كعنبة: ضرب من برود اليمن شمر.