الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٣ - خبر غزوة أحد
المدينة، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم اللّه جلّ ثناؤه بالشهادة يوم أحد و غيرهم ممن فاته بدر و حضوره:
يا رسول اللّه صلّى اللّه عليك و سلّم اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنّا عنهم و ضعفنا. فقال عبد اللّه بن أبيّ بن سلول: يا رسول اللّه أقم بالمدينة، و لا تخرج إليهم، فو اللّه ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منّا، و لا يدخلها علينا إلّا أصبنا منهم، فدعهم يا رسول اللّه، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، و إن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، و رماهم النساء و الصّبيان بالحجارة من فوق رءوسهم، و إن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. فلم يزل برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الذين كان من أمرهم حبّ لقاء العدوّ، حتّى دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فلبس لأمته، و ذلك يوم الجمعة، حين فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من الصلاة. و قد مات في ذلك/ اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو، أحد بني النجّار فصلّى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ثم خرج عليهم، و قد ندم الناس: و قالوا استكرهنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و لم يكن ذلك لنا! فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عليهم فقالوا: يا رسول اللّه استكرهناك و لم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلّى اللّه عليك. فقال عليه السلام: «ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل» قال: فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في ألف رجل من أصحابه، حتّى إذا كانوا بالشوط، بين أحد و المدينة، انخزل عنه عبد اللّه بن أبيّ بن سلول بثلث الناس، و قال: أطاعهم فخرج و عصاني، و اللّه ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيّها الناس. فرجع بمن اتّبعه من الناس من قومه، من أهل النّفاق و الرّيب، و اتّبعهم عبد اللّه بن عمرو بن حرام أحد بني سلمة يقول: يا قوم أذكّركم [١] اللّه أن تخذلوا نبيّكم و قومكم عند ما حضر من عدوّهم. فقالوا: لو نعلم أنّكم تقاتلون ما أسلمناكم، و لكنّا لا نرى أنّه يكون قتال. فلما استعصوا عليه و أبوا إلّا الانصراف قال: أبعدكم اللّه أعداء اللّه، فسيغني اللّه عزّ و جلّ عنكم.
و قال محمد بن عمر الواقدي: انخزل عبد اللّه بن أبيّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/ من الشّيخين [٢] بثلاثمائة، فبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في سبعمائة، و كان المشركون في ثلاثة آلاف، و الخيل مائتا فارس، و الظّعن خمس عشرة امرأة.
قال: و كان في المشركين سبعمائة دارع، و لم يكن معهم من الخيل إلّا فرسان: فرس لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و فرس لأبي بردة بن نيار الحارثي. فادّلج [٣] رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من الشّيخين حتّى طلع الحمراء، و هما [٤] أطمان كان يهوديّ/ و يهودية أعميان يقومان عليهما فيتحدّثان، فلذلك سميا الشيخين، و هما في طرف المدينة.
قال: و عرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم المقاتلة بعد المغرب، فأجاز من أجاز، و ردّ من ردّ. قال: و كان فيمن ردّ زيد بن ثابت، و أبو عمرو أسيد بن ظهير، و البراء بن عازب، و عرابة بن أوس. قال: و هو عرابة الذي قال فيه الشماخ:
إذا ما راية رفعت لمجد
تلقّاها عرابة باليمين
قال: و ردّ أبا سعيد الخدريّ، و أجاز سمرة بن جندب، و رافع بن خديج. و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد استصغر رافعا، فقام على خفّين له فيهما رقاع، و تطاول على أطراف أصابعه، فلما رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أجازه.
قال محمد بن جرير: فحدّثني الحارث قال: حدّثنا ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال:
[١] كذا في ط، مط، مب و السيرة. و في سائر النسخ «اذكروا».
[٢] الشيخان: موضع بالمدينة كان فيه معسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.
[٣] ادلج: سار في آخر الليل.
[٤] أي الشيخان.