الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١١ - قدوم جبلة بن الأيهم على عمر ثم تنصره و رحلته إلى هرقل
و ذكر ابن الكلبي، هذه القصّة نحو هذا و قال: فقال له عمرو: اجعل المفاضلة بيني و بين المنذر شعرا فإنه أسير [١]. فقال:
و نبّئت أن أبا منذر
يساميك للحدث الأكبر
قذالك أحسن من وجهه
و أمّك خير من المنذر
و يسراك أجود من كفّه ال
يمين فقولا له أخّر [٢]
/ و قد ذكر المدائني أنّ هذه الأبيات و السجع الذي قبلها لحسان، و هذا أصحّ.
قدوم جبلة بن الأيهم على عمر ثم تنصره و رحلته إلى هرقل:
قال أبو عمرو الشيباني: لمّا أسلم جبلة بن الأيهم الغساني و كان من ملوك آل جفنة، كتب إلى عمر رضي اللّه عنه يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له عمر فخرج إليه في خمسمائة من أهل بيته، من عكّ و غسان، حتّى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يعلمه بقدومه، فسرّ عمر رضوان اللّه عليه، و أمر الناس باستقباله، و بعث إليه بأنزال [٣]، و أمر جبلة مائتي رجل من أصحابه فلبسوا الدّيباج [٤] و الحرير، و ركبوا الخيول معقودة أذنابها، و ألبسوها قلائد الذهب و الفضة، و لبس جبلة تاجه و فيه قرطا مارية- و هي جدّته- و دخل المدينة، فلم يبق بها بكر و لا عانس إلّا تبرجت و خرجت تنظر إليه و إلى زيّه، فلما انتهى إلى عمر رحّب به و ألطفه و أدنى مجلسه، ثم أراد عمر الحجّ فخرج معه جبلة، فبينا هو يطوف بالبيت و كان مشهورا بالموسم، إذ وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحلّ، فرفع جبلة يده فهشم أنف الفزاري، فاستعدى عليه عمر رضوان اللّه عليه، فبعث إلى جبلة فأتاه فقال: ما هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنّه تعمّد حلّ إزاري، و لو لا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسّيف! فقال له عمر: قد أقررت فإمّا أن رضي الرجل و إمّا أن أقيده منك. قال جبلة: ما ذا تصنع بي؟ قال: آمر بهشم أنفك كما فعلت. قال: و كيف ذاك يا أمير المؤمنين، و هو سوقة و أنا ملك؟ قال: إنّ الإسلام جمعك و إياه، فلست تفضله بشيء إلا بالتّقى و العافية!! قال جبلة: قد ظننت يا أمير المؤمنين أنّي أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية. قال عمر: دع عنك هذا فإنّك إن لم ترض الرجل أقدته منك. قال: إذا أتنصّر. قال:/ إن تنصّرت ضربت عنقك، لأنّك قد أسلمت،/ فإن ارتددت قتلتك. فلما رأى جبلة الصّدق من عمر قال: أنا ناظر في هذا ليلتي هذه. و قد اجتمع بباب عمر من حيّ هذا و حيّ هذا خلق كثير، حتى كادت تكون بينهم فتنة، فلما أمسوا أذن له عمر في الانصراف، حتّى إذا نام الناس و هدءوا تحمل جبلة بخيله و رواحله إلى الشأم، فأصبحت مكة و هي منهم بلاقع، فلما انتهى إلى الشأم تحمل في خمسمائة رجل من قومه حتّى أتى القسطنطينية، فدخل إلى هرقل، فتنصّر هو و قومه، فسرّ هرقل بذلك جدّا و ظنّ أنه فتح من الفتوح عظيم، و أقطعه حيث شاء، و أجرى عليه من النزّل ما شاء، و جعله من محدّثيه و سمّاره. هكذا ذكر أبو عمرو.
[١] أسير: أكثر سيرا بين الناس و شهرة.
[٢] ما عدا ط، ح، أ، ها، مط «أجر»، تحريف.
[٣] الأنزال: جمع نزل، بضم و بضمتين، و هو ما يهيأ للضيف أن ينزل عليه.
[٤] ما عدا ط، ها، مط «السلاح».