الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤ - محاولة تبع هدم البيت ثم عدوله عن ذلك
و لقد شربت على براجم شربة
كادت بباقية الحياة تذيع [١]
ثم مضى حتى إذا كان بحمدان [٢] جاءه نفر من هذيل [٣] فقالوا له: اجعل لنا جعلا و ندلّك على بيت مال فيه كنوز من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و الذهب و الفضّة [٤]، ليست لأهله منعة و لا شرف. فجعل لهم على ذلك جعلا، فقالوا له: هو البيت الذي تحجّه العرب بمكة. و أرادوا بذلك هلاكه. فتوجّه نحوه فأخذته ظلمة منعته من السّير، فدعا الحبرين فسألهما، فقالا: هذا لما/ أجمعت عليه في هذا البيت؛ و اللّه مانعه منك، و لن تصل إليه، فاحذر أن يصيبك ما أصاب من انتهك حرمات اللّه؛ و إنّما أراد القوم الذين أمروك به هلاكك؛ لأنه لم يرمه أحد قطّ بشرّ إلا أهلكه اللّه، فأكرمه وطف به، و احلق رأسك عنده، فترك الذي كان أجمع عليه، و أمر بالهذليّيين فقطّع أيديهم و أرجلهم، ثم خرج يسير حتّى أتى مكّة فنزل بالشّعب من الأبطح، و طاف بالبيت، و حلق رأسه، و كساه الخصف [٥].
محاولة تبع هدم البيت ثم عدوله عن ذلك:
قال هشام: و حدّثني ابن لجرير بن يزيد البجلي عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال هشام: و حدّثني أبي عن صالح [٦] عن ابن عباس قال:
لمّا أقبل تبّع يريد هدم البيت و صرف وجوه العرب إلى اليمن، بات صحيحا فأصبح و قد سالت عيناه على خدّيه، فبعث إلى السّحرة و الكهّان و المنجّمين، فقال: مالي، فو اللّه [٧] لقد بتّ ليلتي ما أجد شيئا، و قد صرت إلى ما ترون. فقالوا: حدّث نفسك بخير. ففعل فارتدّ بصيرا، و كسا البيت الخصف.
هذه رواية جعفر بن محمد عن أبيه. و في رواية ابن عباس:
فأتي في المنام فقيل له: اكسه أحسن من هذا. فكساه الوصائل- قال: و هي برود العصب [٨]، سمّيت الوصائل لأنّها كانت يوصل بعضها ببعض- قال: فأقام بمكة ستّة أيام يطعم الطعام، و ينحر في كلّ يوم ألف بعير، ثم سار إلى اليمن و هو يقول:
و نحرنا بالشّعب ستّة آلا
ف ترى الناس نحوهنّ ورودا [٩]
و كسونا البيت الذي حرّم اللّ
- ه ملاء معضّدا و برودا؟ [١٠]
[١] كذا على الصواب في ح. و في ط، مب، مط: «تريع» و في سائر النسخ «تزيغ». و إنما يقال أذاع بالشيء: ذهب به. و منه بيت الكتاب:
ربع قواء أذاع المعصرات به
أي أذهبته و طمست معالمه. و قول الآخر:
توازن أعوام أذاعت بخمسة
و تجعلني إن لم يق اللّه سأدبا.
[٢] ط، ح «بجمدان» بالجيم.
[٣] كذا على الصواب في ط، مب، مط و «التيجان» ٢٩٥. و في سائر النسخ «من قريش».
[٤] هذه من ط، مب، مط.
[٥] الخصف، بالتحريك: ثياب غلاظ جدا، مشبهة بالخصف المنسوج من الخوص.
[٦] ط، مب، مط «عن أبي صالح».
[٧] ما عدا ط، مب، مط «فقال و اللّه».
[٨] العصب: ضرب من برود اليمن. و هذا ما في ط، مب، مط، ح. و في سائر النسخ «القصب»، تحريف.
[٩] ورودا، أي واردين. و أصل الورود مصدر ورد.
[١٠] معضد: مخطط على شكل العضد. ما عدا ط، مب، مط، ح «منضدا» تحريف.