الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣ - سبب قول أحيحة هذا الشعر
فيهم عمرو بن طلّة لا
همّ فامنح قومه عمره [١] سيّد سامي الملوك و من
يدع عمرا لا تجد قدره [٢]
و قال في ذلك رجل من اليهود:
تكلّفني من تكاليفها
نخيل الأساويف و المصنعة [٣]
نخيلا حمتها بنو مالك
جنود أبي كرب المفظعة
و قال أحيحة يرثي الأزياد الذين قتلهم تبّع:
ألا يا لهف نفسي أيّ لهف
على أهل الفقارة أيّ لهف [٤]
/ مضوا قصد السّبيل و خلّفوني
إلى خلف من الأبرام خلف [٥]
سدى لا يكتفون و لا أراهم
يطيعون أمرا إن كان يكفي [٦]
قالوا: فلما كفّ تبّع عن أهل المدينة اختلطوا بعسكره فبايعوه و خالطوهم. ثم إنّ تبّعا استوبأ بئره التي حفرها [٧]، و شكا بطنه عن مائها؛ فدخلت عليه امرأة من بني زريق يقال لها فكهة بنت زيد بن كلدة [٨] بن عامر بن زريق، و كانت ذات جلد و شرف في قومها، فشكا إليها و بأبئره، فانطلقت فأخذت قربا و حمارين حتّى استقت له من ماء رومة، فشربه فأعجبه، و قال: زيديني من هذا الماء. فكانت تختلف إليه في كلّ يوم بماء رومة، فلمّا حان رحيله دعاها، فقال لها: يا فكهة، إنّه ليس معنا من الصفراء و البيضاء شيء [٩]، و لكن لك ما تركنا من أزوادنا و متاعنا. فلما خرج تبّع نقلت ما تركوه من ازوادهم و متاعهم؛ فيقال إنه لم تزل فكهة أكثر بني زريق مالا حتّى جاء الإسلام.
قال: و خرج تبّع يريد اليمن و معه الحبران اللذان نهياه عن المدينة، فقال حين شخص من منزله: هذه قباء الأرض. فسمّيت قباء [١٠]. و مرّ بالجرف فقال؛ هذا جرف الأرض. فسمّي الجرف؛ و هو أرفعها. و مرّ بالعرصة و تسمّى السليل فقال: هذه عرصة الأرض. ثم انحدر في العقيق فقال: هذا عقيق الأرض. فسمّي العقيق./ ثمّ خرج يسير حتّى نزل البقيع، فنزل على غدير ماء يقال له براجم، فشرب منه شربة فدخلت في حلقه علقة فاشتكى منها. فقال فيما ذكر أبو مسكين قوله:
[١] لا هم، أي اللّهم. قومه، كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في ج «قوله» و في سائر النسخ «نوله» محرفتان. و هو دعاء له بطول العمر.
[٢] قدره، أي مثله و كفأه.
[٣] الأساويف و المصنعة: موضعان لم أهتد إلى تعيينهما. ط، مط «كل لهف».
[٤] ما عدا ط، ح «أهل القفارة» و هي في مط مهملة الفاء و القاف. و انظر ما سبق في صفحة ٤٠.
[٥] الأبرام: جمع برم، بالتحريك، و هو الجبان البخيل، أو المعدم الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. و الخلف، بالفتح: الأشرار.
[٦] سدى: همل. س «يصونون أمرا».
[٧] استوبأها: استوخمها.
[٨] ط، ح، مب «جلدة» مب «حمدة».
[٩] الصفراء: الدنانير. و البيضاء: الدراهم.
[١٠] إنما يصح اشتقاقها على لغة القصر، فإن القبي: جمع قبوة. انظر «معجم البلدان» (قبا).