الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٢ - هجاؤه لأبي بعرة
جزعه لبيع قينة أخرجت عن المدينة
أخبرني الحرمي قال: حدّثني عمي عن الضحاك بن عثمان قال: حدّثني ابن عروة [١] بن أذينة قال:
كان الحزين صديقا لأبي و عشيرا على النبيذ، و كان كثيرا ما يأتيه، و كان بالمدينة قينة يهواها الحزين و يكثر غشيانها، فبيعت و أخرجت عن المدينة، فأتى الحزين أبي و هو كثيب حزين كاتمه، فقال له أبي: مالك يا أبا حكيم؟ قال: أنا و اللّه يا أبا عامر كما قال كثيّر:
لعمري لئن كان الفؤاد من الهوى
بغى سقما إني إذا لسقيم [٢]
سألت حكيما أين شطّت بها النوى
فخبّرني ما لا أحبّ حكيم
فقال له أبي: أنت مجنون إن أقمت على هذا.
أخبرني أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدّثنا الزّبير قال: حدّثني مصعب قال:
مديحه لجعفر بن محمد حين كساه ليزور عبد اللّه بن عبد الملك
مرّ الحزين على جعفر بن محمد بن عبد اللّه بن نوفل بن الحارث، و عليه أطمار، فقال له: يا ابن أبي الشعثاء، إلى أين أصبحت غاديا؟ قال: أمتع اللّه بك، نزل عبد اللّه بن عبد الملك الحرّة يريد الحجّ، و قد كنت وفدت إليه بمصر فأحسن إليّ. قال: أ فما وجدت شيئا تلبسه غير هذه الثياب؟ قال: قد استعرت من أهل المدينة فلم يعرني أحد منهم غير هذه الثياب. فدعا جعفر غلاما فقال: ائتني بجبّة صوف، و قميص و رداء. فجاه بذلك فقال:
أبل و أخلق. فلما ولّى الحزين قال جلساء جعفر له: ما صنعت؟! إنّه يعمد إلى هذه الثياب التي كسوته إيّاها فيبيعها، و يفسد بثمنها. قال: ما أبالي إذا كافأته بثيابه ما صنع بها. فسمع الحزين قولهم و ما ردّ عليهم، و مضى حتّى أتى عبد اللّه بن عبد الملك فأحسن إليه و كساه. فلما أصبح الحزين أتى جعفرا و معه القوم الذين لاموه بالأمس و أنشده:
و ما زال ينمو جعفر بن محمّد
إلى المجد حتّى عبهلته عواذله [٣]
و قلن له هل من طريف و تالد
من المال إلّا أنت في الحقّ باذله [٤]
يحاولنه عن شيمة قد علمنها
و في نفسه أمر كريم يحاوله [٥]
/ ثم قال له: بأبي أنت و أميّ، سمعت ما قالوا و ما رددت عليهم.
هجاؤه لأبي بعرة
أخبرني الحرمي قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال:
[١] ما عدا ح، مب، «ابن أبي عروة»، محرف.
[٢] بعاه يبعوه و يبعيه: أصاب منه و نال. قال:
صحا القلب بعد الإلف و ارتد شأوه
وردت عليه ما بعته تماضر
ح «نعى» أ، م «نفى»، صوابهما في س، ب. مب، ها، ف «بغى».
[٣] عبهلته: تركته و أهملته. ف، مب «جهلته».
[٤] الحق: واحد الحقوق، ما يحق على المرء و يجب.
[٥] في الأصول ما عدا مب، ها، ف «قد علمتها» بالتاء.