الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٨ - لقاء حسان لجبلة و استنشاد جبلة له بعد النابغة و علقمة و إجازته
١٠- أخبار حسّان و جبلة بن الأيهم
لقاء حسان لجبلة و استنشاد جبلة له بعد النابغة و علقمة و إجازته:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري و حبيب بن نصر المهلّبي قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني هارون بن عبد اللّه الزّهري قال: حدّثني يوسف بن الماجشون عن أبيه قال:
قال حسّان بن ثابت: أتيت جبلة بن الأيهم الغسّاني و قد مدحته، فأذن لي فجلست بين يديه، و عن يمينه رجل له ضفيرتان، و عن يساره رجل لا أعرفه، فقال: أ تعرف هذين؟ فقلت: أمّا هذا فأعرفه، و هو النابغة، و أما هذا فلا أعرفه. قال: فهو علقمة بن عبدة، فإن شئت استنشدتهما و سمعت منهما، ثم إن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، و إن شئت أن تسكت سكتّ. قلت: فذاك. قال: فأنشده النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب
و ليل أقاسيه بطيء الكواكب
قال: فذهب نصفي. ثم قال لعلقمة: أنشد. فأنشد:
طحا بك قلب في الحسان طروب
بعيد الشباب عصر حان مشيب [١]
فذهب نصفي الآخر فقال لي: أنت أعلم، الآن إن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، و إن شئت أن تسكت سكتّ. فتشدّدت ثم قلت: لا بل، أنشد. قال: هات. فأنشدته:
للّه درّ عصابة نادمتها
يوما بجلّق في الزّمان الأوّل [٢]
أولاد جفنة عند قبر أبيهم
قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد البريص عليهم
كأسا تصفّق بالرحيق السلسل [٣]
/ يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم
لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم
شمّ الأنوف من الطراز الأوّل
فقال لي: ادنه، ادنه، لعمري ما أنت بدونهما. ثم أمر لي بثلاثمائة دينار، و عشرة أقمصة لها جيب واحد، و قال: هذا لك عندنا في كلّ عام.
و قد ذكر أبو عمرو الشّيباني هذه القصة لحسان و وصفها و قال: إنّما مضله عمرو بن الحارث الأعرج، و مدحه بالقصيدة اللامية. و أتى بالقصّة أتمّ من هذه الرواية.
[١] طحا به قلبه: ذهب به في كل مذهب.
[٢] هذا البيت لم يرو في ط، ها، مط.
[٣] البريص: نهر بدمشق.