الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٩ - النابغة يقول الثناء المسجوع في عمرو بن الحارث
قدومه على عمرو بن الحارث و لقاؤه النابغة و علقمة:
قال أبو عمرو: قال حسان بن ثابت: قدمت على عمرو بن الحارث فاعتاص الوصول عليّ إليه، فقلت للحاجب بعد مدّة: إن أذنت لي عليه و إلا هجوت اليمن كلّها ثم انقلبت عنكم. فأذن لي فدخلت عليه فوجدت عنده النابغة و هو جالس عن يمينه، و علقمة بن عبدة و هو جالس عن يساره، فقال لي: يا ابن الفريعة، قد عرفت عيصك [١] و نسبك في غسّان فارجع فإنّي باعث إليك بصلة سنيّة، و لا أحتاج إلى الشعر، فإنّي أخاف عليك هذين السّبعين: النابغة و علقمة، أن يفضحاك، و فضيحتك فضيحتي، و أنت و اللّه لا تحسن أن تقول:
رقاق النّعال طيّب حجزاتهم
يحيّون بالريحان يوم السّباسب
استنشاد عمرو بن الحارث له و تفضيله عليهما:
فأبيت و قلت: لا بدّ منه. فقال: ذاك إلى عمّيك. فقلت لهما: بحقّ الملك إلّا قدّمتماني عليكما. فقالا: قد فعلنا. فقال عمرو بن الحارث: هات يا ابن الفريعة. فأنشأت:
أ سألت رسم الدّار أم لم تسأل
بين الحواني فالبضيع فحومل [٢]
/ فقال: فلم يزل عمرو بن الحارث يزحل [٣] عن موضعه سرورا حتى شاطر البيت و هو يقول: هذا و أبيك الشّعر، لا ما تعلّلاني به منذ اليوم! هذه و اللّه البتّارة [٤] التي قد بترت المدائح، أحسنت يا ابن الفريعة، هات له يا غلام ألف دينار مرجوحة [٥] و هي التي في كلّ دينار عشرة دنانير. فأعطيت ذلك ثم قال: لك عليّ في كلّ سنة مثلها.
النابغة يقول الثناء المسجوع في عمرو بن الحارث:
ثم أقبل على النابغة فقال: قم يا زياد فهات الثّناء المسجوع. فقام النابغة فقال:
ألا انعم صباحا أيّها الملك المبارك، السّماء غطاؤك، و الأرض وطاؤك، و والداي فداؤك، و العرب وقاؤك، و العجم حماؤك [٦]، و الحكماء جلساؤك، و المداره سمّارك [٧]، و المقاول إخوانك [٨]، و العقل شعارك، و الحلم دثارك، و السكينة مهادك، و الوقار غشاؤك، و البرّ وسادك، و الصّدق رداؤك، و اليمن حذاؤك [٩]، و السّخاء ظهارتك،
[١] العيص، بالكسر: الأصل.
[٢] الحواني، هي في «الديوان»: «الجوابي». و في «شرحه»: «أراد جابية الجولان. و الجولان ما بين دمشق إلى الأردن». البضيع، بالتصغير: جبل بالشام أسود. ح «بالنصيع» و في سائر النسخ ما عدا ط «فالبصيع» صوابهما في ط.
[٣] يزحل: يتنحى و يتباعد.
[٤] أ، ط، ح، ها.، مط «البنانة». و البت و البتر بمعنى.
[٥] ط، ها، مط «مرموجة» أ «مرجوجة». و أثبت ما في سائر النسخ. و قد تكون هذه التسمية من قبيل التسمية بالأضداد، كما يقال للديغ سليم.
[٦] في «اللسان»: «و يقال حماء لك بالمد، في معنى فداء لك».
[٧] المداره: جمع مدره كمنبر، و هو المقدم في «اللسان» و اليد عند الخصومة و القتال.
[٨] المقاول: جمع مقول بالكسر، و هو الملك من ملوك حمير دون الملك الأعلى.
[٩] اليمن، البركة و خلاف الشؤم. أي تسير البركة تحت قدميه.