الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩ - إسحاق الموصلي و سؤاله حفيد معبد عن غناء جده
/ قال: فغنّاه أحسن غناء في الأرض، و لم آخذه منه اتّكالا على قدرتي عليه. و اضطرب [١] الأمر على الفضل و صار إلى التغيّب، و شخص الشيخ إلى المدينة، فبقيت أنشد الشّعر و أسأل عنه مشايخ المغنّين، و عجائز المغنّيات، فلا أجد أحدا يعرفه، حتى قدمت البصرة، و كنت آتي جزيرتها في القيظ فأبيت بها ثم أبكر بالغداة إلى منزلي. فإنّي لداخل يوما إذا بامرأتين نبيلتين [٢]، قد قامتا فأخذتا بلجام حماري، فقلت لهما: مه! قال أبو زيد في خبره: فقالت إحداهما: كيف عشقك اليوم ل «ما أحسن الجيد من مليكة» و شغفك به، فقد بلغني أنّك كنت تطلبه من كلّ أحد؟
و قد كنت رأيتك في مجلس الفضل و قد استخفّك الطّرب لهذا الصوت حتّى صفّقت. قال: فقلت لها: أشدّ و اللّه ما كنت عشقا له، و قد ألهبت بذكرك إيّاه في قلبي جمرا، و لقد طلبته ببغداد كلّها فلم أجد أحدا يسمعنيه. قالت:
أ فتحبّ أن أغنيك إياه. قلت: نعم. فغنّته و اللّه أحسن ممّا سمعته قديما بصوت خافض، فنزلت إليها فقبّلت يديها و رجليها و قلت: جعلني اللّه فداك، لو شئت لصرت معي إلى منزلي. قالت: أصنع ما ذا؟ قلت: أغنّيك و تغنّيني يومنا إلى الليل. قالت: أنت و اللّه أطفس [٣] من أن تفعل ذاك، و إنّما هو عرض، و لكنّي أغنّيك حتّى تأخذه. فقلت: بأبي أنت و أمّي، و جعلني اللّه فداك من أنت؟ قالت: أنا وهبة جارية محمّد بن عمران القرويّ، التي يقول فيها فرّوح [٤] الرّفاء الطّلحي:
صوت
يا وهب لم يبق لي شيء أسرّ به
إلّا الجلوس فتسقيني و أسقيك [٥]
و تمزجين بريق منك لي قدحا
كأنّ فيه رضاب المسك من فيك
يا أطيب النّاس ريقا غير مختبر
إلّا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا زورة في الدّهر واحدة
ثنّي و لا تجعليها بيضة الديك [٦]
ما نلت منك سوى شيء أسرّ به
و لست أبصر شيئا من مساويك [٧]
قالت ملكت و لم تملك فقلت لها
ما كلّ مالكة تزري بمملوك
قال أبو زيد خاصّة: قال إسحاق: و أنشدتنيه و غنّتني فيه بصوت مليح قد صنعته فيه، ثم صارت إليّ بعد ذلك، و كانت من أحسن الناس غناء، و أحسنهم رواية. فما كانت تفوق فيه من صنعتها سائر الناس صوتها، و هو:
صوت
لا بدّ من سكرة على طرب
لعلّ روحا يدال من كرب [٨]
[١] ما عدا ط، ح، مب، مط «و اطرب»، و هي لغة في اضطرب.
[٢] النبيلة: الجسيمة.
[٣] أطفس، من الطفس و هو القذارة. و هذا ما في ط، ح. و في سائر النسخ «أنفس».
[٤] ط، مب، مط «فروج»، بالجيم.
[٥] شيء، في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «شيئا».
[٦] بيضة الديك: مثل في الندرة، يقال إنه يبيض في العمر بيضة واحدة.
[٧] المساوي: مقابل المحاسن.
[٨] الروح: الراحة. يدال: يبدل. ما عدا ط، ح، مب، مط «يداك» محرّف.