الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١ - سبب قول أحيحة هذا الشعر
قتل أحيحة، ففطن أحيحة أنه يريد قتله فخرج من عنده فدخل خباءه، فشرب الخمر، و قرض أبياتا، و أمر القينة أن نغنّيه بها، و جعل تبّع عليه حرسا، و كانت قينته تدعى مليكة فقال:
يشتاق قلبي إلى مليكة لو
أمست قريبا ممن يطالبها
الأبيات. و زاد فيها مما ليس فيه غناء:
لتبكني قينة و مزهرها
و لتبكني قهوة و شاربها
و لتبكني ناقة إذا رحلت
و غاب في سردح مناكبها [١]
و لتبكني عصبة إذا جمعت
لم يعلم الناس ما عواقبها [٢]
فلم تزل القينة تغنّيه بذلك يومه و عامّة ليلته [٣]؛ فلما نام الحرّاس قال لها: إنّي ذاهب إلى أهلي فشدّي [٤] عليك الخباء، فإذا جاء رسول الملك فقولي له: هو نائم؛ فإذا أبوا إلّا أن يوقظوني فقولي: قد رجع إلى أهله و أرسلني إلى الملك برسالة. فإن ذهبوا بك إليه فقولي له: يقول لك أحيحة: «اغدر بقينة أو دع». ثم انطلق فتحصّن في أطمه [٥] الضّحيان، و أرسل تبّع من جوف الليل إلى الأزياد فقتلهم على فقارة من فقار [٦] تلك الحرّة. و أرسل إلى أحيحة ليقتله، فخرجت إليهم/ القينة، فقالت: هو راقد. فانصرفوا و تردّدوا عليها مرارا؛ كلّ ذلك تقول: هو راقد.
ثم عادوا فقالوا: لتوقظنّه أو لندخلنّ عليك. قالت: فإنه قد رجع إلى أهله، و أرسلني إلى الملك برسالة. فذهبوا بها إلى الملك، فلما دخلت عليه سألها عنه، فأخبرته خبره، و قالت: يقول لك: «اغدر بقينة أو دع». فذهبت كلمة أحيحة هذه مثلا؛ فجرّد له كتيبة من خيله، ثم أرسلهم في طلبه فوجدوه قد تحصّن في أطمه، فحاصروه ثلاثا؛ يقاتلهم بالنّهار و يرميهم بالنبل و الحجارة، و يرمي إليهم بالليل/ بالتمر، فلما مضت الثلاث رجعوا إلى تبّع فقالوا:
بعثتنا [٧] إلى رجل يقاتلنا بالنهار، و يضيفنا بالليل! فتركه؛ و أمرهم أن يحرّقوا نخله. و شبّت الحرب بين أهل المدينة: أوسها و خزرجها و يهودها، و بين تبّع، و تحصّنوا في الآطام. فخرج رجل من أصحاب تبّع حتى جاء بني عديّ بن النجّار؛ و هم متحصّنون في أطمهم، الذي كان في قبلة مسجدهم، فدخل حديقة من حدائقهم، فرقي عذقا منها يجدّها [٨]، فاطّلع إليه رجل من بني عديّ بن النجار من الأطم يقال له أحمر أو صخر [٩] بن سليمان من بني سلمة، فنزل إليه فضربه بمنجل حتّى قتله ثم ألقاه في بئر! و قال: جاءنا يجدّ نخلنا [١٠]، «إنّما النخل لمن أبره» [١١]، فأرسلها مثلا. فلما انتهى ذلك إلى تبّع زاده حنقا و جرّد إلى بني النجّار جريدة من خيله [١٢]؛ فقاتلهم بنو النجّار
[١] السردح: الأرض اللينة المستوية. ط، ح: «سرنج». و السرنج: الأرض الواسعة.
[٢] ط، مب، مط «إذا اجتمعت».
[٣] ط، مب، مط «عامة ليله».
[٤] ما عدا ط، مب، مط «فسدى» بالسين المهملة.
[٥] الأطم: حصن مبني بحجارة، و هو القصر أيضا.
[٦] هذا ما في ح، مب، مط. و في ط «فقرة من فقار»، و هي صحيحة أيضا، مشبهتان بفقار الظهر. و في سائر النسخ «قفارة من قفار»، تحريف.
[٧] ما عدا ط، مب، مط «تبعثنا».
[٨] العذق: النخلة، عند أهل الحجاز. يجدها: يقطع تمرها. ما عدا ط، مب، مط، ح «يجده»، التذكير للفظ و التأنيث للمعنى.
[٩] ط «صحر» بالحاء المهملة.
[١٠] ما عدا ط، مب، مط «نخلتنا».
[١١] الأبر و التأبير: إصلاح النخل و تشذيبه.
[١٢] الجريدة من الخيل: القطعة منها عليها فرسانها.