موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٢٨
الثاني : عند بدء الخلق وفي أوانه ، عندما تعلّقت الإرادة التكوينية لله تعالى بإنشاء الممكنات ، جاء النور الأوّل ـ أو بعبارة أُخرى الصادر الأوّل ـ كأوّل مخلوق له سمة الخلافة عن الخالق في عالم الخلق ، وهذا هو الفيض الأوّل الصادر إلى عالم الوجود ـ وهنا لابأس بالإشارة إلى أنّ العلاقة بين الممكن والواجب أمر ضروري عقلاً ونقلاً ، فيجب أن تكون رابطة الفيض مستمرة بين الخالق والمخلوق بنحو تام ـ .
ثمّ على ضوء ما ذكرنا ، فإنّ المخلوق الأوّل يجب أن تتوفّر فيه الميزات العالية التكوينية والتشريعية لنيل هذه الرتبة السامية ـ أي الاستخلاف والنيابة عن الله تعالى في دائرة الوجود ـ لأنّ الحكمة الإلهية كانت تقتضي ولا تزال بأن يصدّر الأفضل حتّى تكون متابعة الآخرين له ينسجم مع القواعد العقلية في طريق الكمال والرقي ، وهذا النور الأوّل والمخلوق الممتاز قد سمّي وتعيّن بأنّه محمّد (صلى الله عليه وآله) ، لا أنّ نبيّنا قد حصل على هذه المكانة في أوّل الخلق ، بل أنّ الصادر الأوّل المميّز قد لقّب وتعنون بأنّه هو الرسول الأعظم أشرف الكائنات محمّد (صلى الله عليه وآله) .
وممّا ذكرنا يظهر جواب التوهّم المذكور ، إذ لم يكن يوجد أيّ ممكن عند نقطة بدء الخلق حتّى يتوهّم الانحياز والتمييز لمخلوق دون آخر ، بل أنّ الوجود الأوّل قد تعنون وسمّي بأنّه محمّد (صلى الله عليه وآله) ، ومن الملاحظ أنّه عند خلقه لم يكن هناك مخلوق آخر يوازيه ، حتّى يفرض أنّه (صلى الله عليه وآله) قد أعطي ما كان بالإمكان أن يعطي غيره .
وبعبارة دقيقة وواضحة : إنّ المرتبة العليا والوحيدة لعالم الممكنات خلق وسمّي محمّداً (صلى الله عليه وآله) ، لا أنّ التسمية والتعنون سبق إعطاء هذه المكانة السامية ، وفي الواقع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو رمز المُثل والقيم الإلهية بشكل مجسّم في عالم الخلق ، والنموذج الحيّ الوحيد لكافّة الايجابيات في عالم الكون .