موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٢٠
ولكنّنا نجد روايات أُخرى تقرّر عكس ما ذكر آنفاً وتقول : إنّه (صلى الله عليه وآله) مال إلى رأي أبي بكر ـ أي إلى أخذ الفداء ـ ولكن عمر رفض ذلك ، وكان رأيه هو قتلهم ، فنزل القرآن بمخالفته وموافقة عمر ، وهذا غير صحيح ، لأنّ بعض علماء السنّة نصّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) مال إلى القتل (١) .
وذكر الجاحظ : أنّ الأُسرى قالوا : " لو بعثنا إلى أبي بكر ، فإنّه أوصل قريش لأرحامنا ، ولا نعلم أحداً آثر عند محمّد منه ؛ فبعثوا إلى أبي بكر فأتاهم فقالوا : يا أبا بكر ، إنّ فينا الآباء والأبناء ، والأخوان والعمومة ، وبني العمّ ، وأبعدنا قريب ، فكلّم صاحبك يمن علينا أو يفادينا ، قال : نعم ، لا آلوكم إن شاء الله خيراً ، ثمّ انصرف إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) " (٢) ، وهذا دليل على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يرض بأخذ الفداء ، هذا أوّلاً .
وثانياً : إنّ الالتزام بما ذكروه معناه تكذيب قولـه تعالى : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } (٣) .
كما أنّه لا يبقى معنى ـ والحالة هذه ـ لأمر الله تعالى للناس بإطاعة الرسول حيث قال : { أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ } (٤) ، حتّى إذا امتثلوا الأمر الإلهي وأطاعوه يؤنّبهم ، ثمّ يتهدّدهم ، لقد كان يجب أن يتوجّه التأنيب والتهديد للرسول ، والمدح والثناء لهم ، لأنّهم عملوا بوظيفتهم .
وثالثاً : إنّ مجرّد الإشارة على الرسول بالفداء لا تستوجب عقاباً ، إذ غاية ما هناك أنّهم قد اختاروا غير الأصلح ، وعليه فلابدّ أن يكون ثمّة أمر آخر قد استحقوا العقاب لمخالفته ، وهو أنّهم حين أصرّوا على أخذ الفداء قد أصرّوا على مخالفة الرسول ، والتعلّق بعرض الحياة الدنيا في مقابل إرادة الله للآخرة
____________
١- الكامل في التاريخ ٢ / ١٣٦ . ٢- العثمانية : ٦٧ . ٣- النجم : ٣ ـ ٤ . ٤- النساء : ٥٩ .