موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٠٧
ولقد نزلت آية الإنذار { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [١] قبل سورة عبس بسنتين ، فهل نسي الرسول ذلك ، وإذا كان نسي فما الذي يؤمننا من أن لا يكون قد نسي غير ذلك أيضاً ؟ وفي قولـه تعالى عن الرسول : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [٢] .
ومن يتمعّن هذه الآيات يجد أنّها خبر محض ، ولم يُصرّح فيها بالمخبر عنه ، وقوله تعالى : { وَمَا يُدْرِيكَ } [٣] ليس الخطاب فيها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وإنّما هو التفات من الغيبة إلى الخطاب مع العابس نفسه ، فالآية في ظاهرها لا تدلّ أنّها فيمن نزلت ، وإنّما يفسّرها لنا أهل البيت ـ وهم الثقل الثاني الذي به نعتصم من الضلال ـ فورد عنهم أنّها نزلت في رجل من بني أُمية .
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا رأى عبد الله بن أُمّ مكتوم قال : مرحباً مرحباً ، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبداً " [٤] ، وكان يريد الرسول بذلك التعريض بمن صدر منه ذلك في حقّ ابن أُمّ مكتوم ، كأنّه يقول له : والله أنا لا أعاملك كما عاملك فلان .
فمدلول الآية يكون كالتالي : { عَبَسَ وَتَوَلَّى } ذلك الرجل من بني أُمية { أَن جَاءهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيك } هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب مع العابس نفسه { لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ } أيّها العابس الغني { لَهُ تَصَدَّى } لأهداف دنيوية { وَمَا عَلَيْك } أيّها العابس { أَلاَّ يَزَّكَّى } على يد شخص آخر ممّن هو في المجلس كالنبيّ(صلى الله عليه وآله)، { وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ } أيّها العابس { عَنْهُ تَلَهَّى } لأهداف دنيوية .
____________
١- الشعراء : ٢١٥ . ٢- الأحزاب : ٢١ . ٣- عبس : ٣ . ٤- مجمع البيان ١٠ / ٢٦٦ .