موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٢٩
الكتاب الأوّل، أي: سفر التكوين، فقد وجدّت مقولات لا تمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا.
وأما بالنسبة للأناجيل فما تكاد تفتح الصفحة الأولى منها حتّى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، ونعني بها شجرة أنساب المسيح، وذلك أنّ نصّ إنجيل متى يتناقض بكلّ جلاء مع إنجيل لوقا، وأنّ هذا الأخير يقدّم لنا صراحة أمراً لا يّتفق مع المعارف الحديثة الخاصّة بقدم الإنسان على الأرض".
ودفعني حبّ الاطّلاع والتأكّد من صحّة كلام بوكاي، إلى تصفّح عدد من الأناجيل المنسوبة للنبي عيسى(عليه السلام)، وهو منها براء، فوجدّت فيها كثيراً من التناقضات، التي تؤكّد على أنّ تلك الكتب هي مختلقة من أناس لم يرثوا تعاليم الأنبياء(عليهم السلام)، ولا كانت معارفهم إلهية، سوى نزر يسير من الأخلاق التي ضمّنوها كتبهم للتمويه على الناس، واختلاف الأناجيل كان لفظاً ومعنى، فلا الواحد يشبه الآخر في شيء سوى العنوان، ولم يعد هناك ذكر للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) سوى ما ذكره برنابا في إنجيله مستبدلاً اسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمصطلح الفرقليط ، أي: راكب الجمل.
أهم سبب وجود الاختلاف بين الناس:
لم يكن تحريف الكتب السماوية سببه تقصير الأنبياء(عليهم السلام) في أداء عهدتهم، ولا هو نقص حاصل في تشريعاتهم، بل العلّة كامنة في انحراف أممهم عن المسار المرسوم لهم، ومخالفتهم للنهج الذي تركهم عليه أنبياؤهم(عليهم السلام)، قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}[١].
وحصلت لديّ قناعة بأنّ منشأ اختلاف الناس سياسي، ومدار صراعه السلطة والحكم، ولم يكن الدين في ذلك إلاّ ضحيّة تلك الصراعات، وكان تحريف الأحكام وتأويلها على غير حقيقتها السلاح الذي استعمله البغاة من أجل تضليل
[١]آل عمران (٣) : ١٩.