موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٣٢
في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن شخص يُدعى ابن تيمية، فادّعى فهم الإسلام دون غيره، وأنّه يتبع السلف من الصحابة والتابعين والصالحين من أبناء القرون الثلاثة الأُولى بعد الهجرة الشريفة، فأصدر حكماً بحرمة زيارة القبور[١]، وحرّم على الناس السفر أو شدّ الرحال إلى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع نيّة زيارة قبره الشريف باعتباره سفر معصية[٢]، بحجة البعد عن تقليد أهل الكتاب، ورغبة في التمسّك بالسنّة النبوية الشريفة!!!
ولكنّه في الواقع لم يتمسّك بالسنّة، وإنّما تمسك بفهمه الخاطى الناتج من اتباع الهوى، جاهلاً أو متجاهلاً أنّ الله لم يترك الناس سدئ، وأنّه جعل للدين أئمة من أهل البيت(عليهم السلام) يهدون الناس، ويصلحون ما فسد من أُمور دينهم، فالدين كلّه لله، ولله بيت يأتيه الناس، وللبيت أهل أُمرنا بطاعتهم، بيت بناه إبراهيم وإسماعيل وفيه آثارهم، بيت فيه مقام إبراهيم وحجر إسماعيل، بيت فيه الحجر الأسود أُمر الناس أن يأتوه ويقبّلوه طاعة لله.
فلم تكن الكعبة عند الله وثناً، ولم يكن مسعى هاجر(عليهم السلام) وموطأ أقدامها صنماً، بل على العكس، عظّم الله شأن هذه الآثار، وخلّد سيرة الأنبياء والأولياء فيها، وجعلها من مراسم الدين، ففرض على الناس الحجّ إليها، والتمسّح بأعتابها.
إنّ الدين لا يخالف الفطرة السليمة، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}[٣].
والدين لا يمنع زيارة المرء قبر أُمّه مثلاً، ولقد زار الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قبر أُمّه فبكى وأبكى من حوله[٤]، ولكنّ الوهابيون وأسلافهم يمنعون مثل هذه الزيارة ويمنعون مثل هذا البكاء.
١)(٢) رحلة ابن بطوطة: ١١٣. [٣]الروم (٣٠) : ٣٠. [٤]صحيح مسلم ٣: ٦٥.