موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٠٧
{هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}[١].
{فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}[٢].
إنّ التبليغ الديني الصحيح عملٌ شريف لا يقوم بأعبائه إلاّ الأنبياء ومن يقوم مقامهم، وهو عمل واسع وثقيل يأخذ على المبلّغ معظم مناحي الحياة، وهو عمل يحتاج إلى الفعل قبل القول، وإلى الاهتداء قبل الهداية، كما أنّه يتقوّم بالإيمان الراسخ بالرسالة الإلهية المراد تبليغها إلى الناس ليتعظوا ويتذكروا ويهتدوا، ويستلزم الثبات على المبدأ، والتضحية في سبيل الهدف.
وقد قام الرسول الكريم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بواجبه في التبليغ على أحسن وجه، أُنظر إلى حواره مع عمّه أبي طالب حين ضايقته قريش:
"ولمّا اشتدت قريش على أبي طالب، وأنذرته بالحرب إن هو لم يردع محمّداً عن آلهته، وعرضوا عليه أن يملّكوه عليهم، ويُشاطروه أموالهم، ويُقدّموا له ما يشاء إذا تراجع عن موقفه، جاءه أبو طالب، وقال له: يا ابن أخي أبق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق، فظنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه بدا لعمه أن يتراجع إلى حد ما عن موقفه المتصلّب إلى جانبه، وأنّه قد ضعف عن نصرته، قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عمّاه والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته"[٣].
ورغم هذه الصلابة النبوية فتبليغ النبي كان بالطرق السلمية ولم يشتمل على القوة أو الإكراه، وقال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}[٤]، وقال عزّ وجلّ: {ادْعُ إِلِى
[١]إبراهيم (١٤) : ٥٢ . [٢]النحل (١٦) : ٣٥. [٣]سيرة المصطفى: ١٤٩، واُنظر سيرة ابن إسحاق: ١٩٦. [٤]البقرة (٢) : ٢٥٦.