موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٨٤
الذي كانت تربطني به مودة كبيرة، فوجدته يتهيأ مع عائلته للذهاب إلى شاطىء البحر في منطقة تبعد حوالي المائة كيلومتر عن العاصمة لقضاء عطلة نهاية الاسبوع، رحبوا بي أشد الترحيب وحمدوا الله على خروجي بالسلامة من جحيم بيروت، وأخذت الأسئلة تنهال عليّ عن الأوضاع في الوطن وأحوال الناس والأهل والأقارب.
لقد كانت الاتصالات مقطوعة مع لبنان، وكانوا يريدون معرفة كل التفاصيل، وقد كان قريبي، ويدعى سعيد، طبيباً جرّاحاً أتمّ علومه في بلجيكا ويعمل في أحد أكبر مستشفياتها، كان متزوجاً من سيّدة لبنانية مسلمة وله منها ولدان، وهو يتميز بذكاء حاد ونبوغ ومهارة في مهنته، وكان يتحلّى بأخلاق رفيعة وسمعة حسنة وتعلّق بالعادات الشرقية رغم السنين الطويلة التي قضاها في بلاد الغرب، إلاّ أنّ عيبه الوحيد الذي كان يحزنني هو عدم تديّنه، وعدم تقيده بالتعاليم الإسلامية، والسبب يعود إلى أنّه ورغم سلامة فطرته، كان يعاني من جهل فظيع في أمور الدين ناتج عن عدم اختلاطه بالمسلمين وعدم سعيه للمعرفة نظراً للانشغال الدائم في مهنته، والانخراط بحكم العادة، في روتين الحياة الغربية.
بعد أن أخذت قسطاً من الراحة وأديت صلاة الظهر، دعاني سعيد لأن أذهب معهم لقضاء يومين على شاطىء البحر حيث تكون هناك فرصة لإراحة النفس والأعصاب بعد الأيام العصيبة التي قضيتها في بيروت، فاعتذرت منه عن تلبية رغبته ودعوته لأن يتابع برنامجه المعدّ مع عائلته دون التقيد بوجودي، فأنا سأقضي هذين اليومين في الراحة والتجوّل في أسواق بروكسل والمطالعة، وليس عليه أن يغيّر برنامجه من أجلي.
استغرب سعيد موقفي مع ما يعلمه عني من حبي للسباحة، وقد كان لنا فيها صولات وجولات في أنهار لبنان أيام الصبا الأولى، وألحّ عليّ بالذهاب معهم وأنّه لا يمكن أن يتركني أقضي هذه الأيام وحدي مهما كلف الأمر.