دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٠٤ - باب سرية أبي حدرد الأسلمي
(١) و شرف في جشم، فدعاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و رجلين من المسلمين، فقال:
اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر و علم، و قدّم لنا شارفا [٣] عجفاء،
فحمل عليها أحدنا فو اللّه ما قامت به ضعفا، حتى دعمها [٤] الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلّت و ما كادت، و قال: تبلّغوا على هذه، فخرجنا، و معنا سلاحنا من النبل، و السيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية و أمرت صاحبيّ فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم و قلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت و شددت في العسكر فكبروا و شدّا معي، فو اللّه أنا لكذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا و قد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء [٥]، و قد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوّفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه، و قال: و اللّه لأتبعنّ أثر راعينا هذا، و لقد أصابه شر فقال نفر ممن معه: و اللّه لا تذهب نحن نذهب نكفيك، فقال: لا يذهب إلا أنا، قالوا: فنحن معك فقال و اللّه لا يتبعني منكم أحد، و خرج حتى يمرّ بي فلمّا أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فو اللّه ما تكلم فوثبت إليه فاحترزت رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر و كبّرت و شدّ صاحباي، و كبروا فو اللّه ما كان إلا النجاء ممن كان فيه عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم و أبنائهم، و ما خفّ معهم من أموالهم و استقنا إبلا عظيمة، و غنما كثيرة، فجئنا بها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و جئت برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت اليّ أهلي [٦].
[٣] الشارف: الناقة المسنة.
[٤] اي قووها بأيديهم.
[٥] فحمة العشاء: أول ظلام الليل.
[٦] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٣٨) و نقله ابن كثير في البداية و النهاية (٤: ٢٢٣- ٢٢٤).