دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٩ - باب مرجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب و مخرجه إلى بني قريظة
(١) لفي عزيمة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما علينا من إثم، فصلّت طائفة إيمانا و احتسابا، و تركت طائفة أيمانا و احتسابا، و لم يعب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) واحدا من الفريقين [١٣].
و خرج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمرّ بمجالس بينه و بين بني قريظة، فقال: هل مرّ بكم من أحد؟ قالوا: مرّ علينا دحية الكلبي [١٤] على بغلة شهباء، تحته قطيفة [١٥] ديباج [١٦]، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): ليس ذلك بدحية، و لكنه جبريل (عليه السلام) أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، و يقذف في قلوبهم الرعب، فحاصرهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و امر أصحابه أن يستروا بالجحف، حتى يسمعهم كلامه، فناداهم يا إخوة القردة و الخنازير،
[١٣] نقله ابن كثير عن المصنف في «البداية و النهاية» (٤: ١١٧- ١١٨)، و عقب عليه بقوله:
و قد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور و معذور غير معنف. فقالت طائفة من العلماء: الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بني قريظة هم المصيبون، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعا، قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة: و علم اللّه أنا لو كنا هناك لم نصلّ العصر إلا في بني قريظة و لو بعد أيام.
و هذا القول منه ماش على قاعدته الاصلية في الأخذ بالظاهر. و قالت طائفة اخرى من العلماء:
بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم و هم في مسيرهم هم المصيبون لأنهم فهموا أن المراد انما هو تعجيل السير الى بني قريظة لا تأخير الصلاة فعملوا بمقتضى الادلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد، و لهذا لم يعنفهم و لم يأمرهم باعادة الصلاة في وقتها التي حولت اليه يومئذ كما يدعيه أولئك، و أما أولئك الذين أخرّوا فعذروا بحسب ما فهموا، و أكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء و قد فعلوه. و أما على قول من يجوز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البحتري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا فلا إشكال على من أخرّ و لا على من قدم ايضا و اللّه اعلم.
[١٤] هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة من الخزرج صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذي أتاه جبريل على صورته.
[١٥] (القطيفة) كساء له خمل.
[١٦] (الديباج) فارسي معرب.