دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٨٠ - باب سريّة نجد يقال أنها كانت في المحرم سنة ست من الهجرة، بعث فيها محمد بن مسلمة فجاء بسيد أهل اليمامة ثمامة بن أثال و ما ظهر في أخذه و إسلامه من الآثار
(١) فمضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تركه، حتى إذا كان الغد مرّ به، فقال: مالك يا ثمام؟ فقال: خيرا يا محمد: إن تقتل تقتل ذا دم، و ان تعف تعف عن شاكر، و ان تسأل مالا تعطه ثم انصرف عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
قال أبو هريرة: فجعلنا المساكين نقول: بيننا ما يصنع بدم ثمامة، و اللّه لأكلة من جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة.
فلما كان الغد، مرّ به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: مالك يا ثمام؟ فقال خيرا يا محمد ان تقتل تقتل ذا دم، و ان تعف تعف عن شاكر، و ان تسأل مالا تعطه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): عفوت عنك يا ثمام.
فخرج ثمامة حتى أتى حائطا من حيطان المدينة، فاغتسل به و تطهر، و طهر ثيابه، ثم جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو جالس في المسجد في أصحابه، فقال:
يا محمد و اللّه لقد كنت و ما وجه أبغض إليّ من وجهك، و لا دين أبغض إليّ من دينك، و لا بلد أبغض إليّ من بلدك، ثم لقد أصبحت و ما وجه أحبّ إليّ من وجهك، و لا دين أحبّ إلي من دينك، و لا بلد أحب إليّ من بلدك، و إني أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، يا رسول اللّه إني كنت خرجت معمرا، و أنا على دين قومي فيسّرني صلى اللّه عليك في عمرتي، فيسّره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عمرته و علّمه، فخرج معتمرا.
فلما قدم مكة و سمعته قريش يتكلم بأمر محمد من الإسلام، قالوا: صبأ ثمامة فاغضبوه فقال: إني و اللّه ما صبوت و لكني أسلمت، و صدّقت محمدا، و آمنت به، و أيم الذي نفس ثمامة بيده. لا تأتيكم حبّة من اليمامة- و كانت ريف مكة- ما بقيت حتى يأذن فيها محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم). و انصرف إلى بلده، و منع الحمل إلى مكّة، حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسألونه بأرحامهم أن يكتب الى ثمامة يخلى حمل الطعام، ففعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) [٤].
[٤] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٤٦- ٢٤٧).