دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٤٤ - باب ذكر إسلام عمرو بن العاص و ما ظهر له على لسان النجاشي و غيره من آثار صدق الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الرسالة
(١) قال: قلت: تعلمون أني و اللّه لا أرى أمر محمد أمرا يعلوا الأمور علوا منكرا، و إني قد رأيت رأيا. قالوا: و ما هو؟ قال: نلحق بالنجاشي فنكون معه فإن يظهر محمد كنّا عند النجاشي فنكون تحت يد النجاشي أحب إلينا أن نكون تحت يد محمد، و إن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا، قالوا: «هذا الرأي» قال: فأجمعوا ما تهدونه له و كان أحبّ ما يهدي اليه من أرضنا الأدم، فجمعنا أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي فو اللّه إنا لعنك إذ جاءه عمرو بن أمية الضمريّ، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد بعثه اليه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة ابنة أبي سفيان، فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، و لو قد دخلت على النجاشي قد سألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سررت قريشا، و كنت قد أجزأت [٣] عنها حين قلت رسول محمد [(صلّى اللّه عليه و سلّم)] [٤] فدخلت على النجاشي فسجدت كما كنت أصنع فقال مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا قلت: نعم أيها الملك أهديت لك أدما كثيرا، ثم قرّبته، إليه فأعجبه، ففرّق منه أشياء بين بطارقته، و أقر بسائره فأدخل في موضع و أمر أن يكتب و يحتفظ به فلما رأيت طيب نفسه، قلت: أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك و هو رسول عدو لنا، قد و ترنا، و قتل أشرافنا و خيارنا، فأعطنيه فأقتله، فغضب فرفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي فجعلت أتلقّى الدّم بثيابي فأصابني من الذّل ما لو انشقّت لي الأرض دخلت فيها فرقا منه.
ثم قلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتكه، قال:
و استحيا و قال: يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى و الذي كان يأتي عيسى (عليهما السلام) لتقتله! قال عمرو: و غيّر
[٣] في (أ): «أجرأ» و معنى: أجزأت عنها: أي: كفيتها.
[٤] من (ح).