دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٠٨ - باب السّرية التي قتل فيها محلّم بن جثّامة عامرا بعد ما حيّاهم بتحية الإسلام
(١) غطفان و تكلم الأقرع بن حابس دون محلم لأنه من خندق، فارتفعت الأصوات و كثرت الخصومة و اللّغط، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يا عيينة الا تقبل العير فقال عيينة: لا و اللّه حتى أدخل على نسائه من الخرب و الحزن ما أدخل على نسائي، قال: ثم ارتفعت الأصوات و كثرت الخصومة و اللغط، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يا عيينة لا تقبل العير» فقال عيينة مثل ذلك أيضا إلى أن قام رجل من بني قيس يقال له مكيتل عليه شكّة و في يده درقة، فقال: يا رسول اللّه إني لم أجد لما فعل هذا في غرّة الإسلام مثلا إلا غنم وردت فرمى أولها فنفر آخرها اسنن اليوم و غيّر غدا فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «خمسون في فورنا هذا، و خمسون إذا رجعنا إلى المدينة» و ذلك في بعض أسفاره و محلّم رجل طويل آدم و هو في طرفي الناس، فلم يزالوا حتى تخلّص فجلس بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عيناه تدمعان، فقال: يا رسول اللّه إني قد فعلت الذي بلغك و إني أتوب إلى اللّه.
فاستغفر لي يا رسول اللّه. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أ قتلته بسلاحك في غرّة الإسلام: اللهم لا تغفر لمحلم» بصوت عال زاد أبو سلمة فقام و أنه ليتلقى دموعه بطرف ردائه.
قال ابن إسحاق فزعم قومه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) استغفر له بعد ذلك.
أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس بن يعقوب قال:
أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس عن ابن إسحاق، قال: حدثنا سالم أبو النّصر، قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم، فقال: يا معشر قيس سألكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أ فأمنتم أن يغضب عليكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيغضب اللّه عزّ و جل عليكم بغضبه، أو يلعنكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيلعنكم اللّه بلعنته، لكم و اللّه، و اللّه لتسلمنّه الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو لآتينّ بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلى قط فلأطلنّ دمه، فلما قال ذلك لهم: أخذوا الديّة [٩].
[٩] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٣٧).