دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٨٠ - باب ذكر حديث عمران بن حصين و ما ظهر في خبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن صاحبة المزادتين، ثم في ماء المزادتين حين أتي به و في بقية الماء التي كانت معه من علامات النبوة و دلالات الصدق
(١) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن ينادى بالصلاة، فنودي بها ثم قام فصلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما انصرف إذا رجل من أصحابه قائم، فلما رآه قال ما منعك أن تصلي؟ قال: يا رسول اللّه أصابتني جنابة، قال فتيمم بالصعيد، فإذا فرغت فصلّ، فإذا أدركت الماء فاغتسل، و أصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه لا يدرون أين الماء منهم، فبعث عليا رضي اللّه عنه معه نفر من أصحابه يطلبون له الماء، فانطلق في نفر فسار يومه و ليلته ثم لقي امرأة على راحلة بين مزادتين، فقال لها عليّ- رضي اللّه عنه-: من أين أقبلت؟ فقالت: أقبلت أني استقيت لأيتام، فلما قالت له و أخبرته أن بينه و بين الماء مسيرة ليلة و زيادة على ذلك، فقال عليّ و اللّه لئن انطلقنا لا نبلغ حتى تهلك دوابنا، و يهلك من هلك منا، ثم قال: بل ننطلق بهاتين المزادتين إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى تنظر في ذلك.
فلمّا جاء عليّ رضي اللّه عنه و أصحابه و جاءوا بالمرأة على بعيرها بين مزادتيهما فقال عليّ يا رسول اللّه: بأبي و أمي إنا وجدنا هذه بمكان كذا و كذا، فسألتها عن الماء فزعمت أن بينها و بين الماء مسيرة ليلة أو زيادة، فظننا أن لم نبلغه حتى يهلك منا من هلك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أنيخوا لها بعيرها، فأناخوا بها بعيرها، فأقبلت عليهم، فقالت: استقيت لأيتام، و قد احتبست عليهم جدّا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): ائتوني بإناء فجاؤوا بإناء، فقال: افتحوا عزلاء هذه المزادة فخذوا منها ماء يسيرا، ثم افتحوا عزلاء هذه فخذوا منها ماء يسيرا أيضا، ففعلوا ثم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا فيه و غمس يده فيه، فقال: افتحوا لي أفواه المزادتين، ففتحوا فحثا في هذه قليلا و في هذه قليلا، ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأصحابه: اشربوا، فشربوا حتى رووا، ثم قال: اسقوا ظهركم فسقوا الظهر حتى روي، ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «هاتوا ما كان لكم من قربة أو مطهرة فاملؤوها» فجاؤوا بقربهم و مطاهرهم فملؤوها، ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «شدّوا عزلاء هذه، و عزلاء هذه، ثم قال: ابعثوا البعير» فبعثوها فنهضت و أن المزادتين لتكاد ان تفطان من ملئهما ثم اتخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كساء المرأة، ثم