دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٣٩ - باب إرسال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عثمان بن عفان رضي اللّه عنه الى مكة حين نزل بالحديبية و دعائه أصحابه إلى البيعة
(١) حدثنا أحمد بن سلمة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا أبو عامر العقديّ: عبد الملك بن عمرو، قال: حدثنا عكرمة بن عمّار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: قدمنا الحديبية مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و نحن أربع عشرة مائة و عليها خمسون شاة لا ترويها. فقعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على جباها يعني الرّكية [١٦] فإمّا دعا و إمّا بسق [١٧] فيها فجاشت [١٨]، فسقينا و استقينا.
قال: ثم إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعانا إلى البيعة في أصل الشجرة فبايعه أوّل الناس، ثم بايع و بايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: «بايعني يا سلمة!» قال: قلت يا رسول اللّه قد بايعتك أول الناس، قال و أيضا، قال: و رآني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عزلا [١٩] فأعطاني حجفة أو درقة [٢٠]، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ألا تبايع يا سلمة قال: قلت يا رسول اللّه قد بايعتك في أول الناس و أوسطهم، قال: و أيضا فبايعته الثالثة فقال: يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك، قال: قلت يا رسول اللّه لقيني عامر عزلا فأعطيتها إياه فضحك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم قال: إنك كالذي قال الأول [٢١] اللهم ابغني [٢٢] حبيبا
[١٦] (جبا الركية) الجبا ما حول البئر. و الركيّ البئر. و المشهور في اللغة ركيّ، بغير هاء. و وقع هنا الركية بالهاء. و هي لغة حكاها الأصمعيّ و غيره.
[١٧] (و إما بسق) هكذا هو في النسخ: بسق. و هي صحيحة. يقال: بزق و بصق و بسق. ثلاث لغات بمعنى. و السين قليلة الاستعمال.
[١٨] (فجاشت) أي ارتفعت و فاضت. يقال: جاش الشيء يجيش جيشانا، إذا ارتفع.
[١٩] (عزلا) ضبطوه بوجهين: أحدهما فتح العين مع كسر الزاي. و الثاني ضمهما. و قد فسره في الكتاب بالذي لا سلاح معه. و يقال أيضا: أعزل، و هو الأشهر استعمالا.
[٢٠] (حجفة أو درقة) هما شبيهتان بالترس.
[٢١] (إنك كالذي قال الأول) الذي صفة لمحذوف. أي أنك كالقول الذي قاله الأول. فالأول، بالرفع، فاعل، و المراد به، هنا، المتقدم بالزمان. يعني أن شأنك هذا مع عمك يشبه فحوى القول الذي قاله الرجل المتقدم زمانه.
[٢٢] (أبغني) أي أعطني.