دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٣ - باب مرجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب و مخرجه إلى بني قريظة
(١) (صلّى اللّه عليه و سلّم) من عجّل منهم الصلاة، و من أخّرها، فذكروا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يعنّف أحدا من الطائفتين.
قال: و لما رأى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقبلا، تلقاه، و قال: ارجع يا رسول اللّه، فإنّ اللّه كافيك اليهود، و كان عليّ سمع منهم قولا سيّئا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أزواجه فكره عليّ أن يسمع ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لم تأمرني بالرجوع؟ فكتمه ما سمع منهم، فقال: أظنّك سمعت لي منهم أذى، فامض فإن أعداء اللّه لو قد رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت.
فلما نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحصنهم، و كانوا في أعلاه، نادى بأعلا صوته نفرا من أشرافها، حتى أسمعهم فقال: أجيبونا يا معشر يهود: يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي اللّه، فحاصرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، وردّ اللّه عز و جل حييّ بن أخطب، حتى دخل حصن بني قريظة، و قذف اللّه عز و جل في قلوبهم الرعب و اشتد، عليهم الحصار، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر [٢٤] و كانوا حلفاء للأنصار. فقال أبو لبابة: لا آتيهم، حتى يأذن لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أذنت لك فأتاهم أبو لبابة، فبكوا إليه و قالوا:
يا أبا لبابة ما ذا ترى؟ و ما ذا تأمرنا؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال، فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، و أمرّ عليه أصابعه يريهم، إنما يراد بكم القتل، فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده، و رأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة، فقال: و اللّه لا أنظر في وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى أحدث للّه عز و جل توبة نصوحا يعلمها اللّه عز و جل من نفسي، فرجع إلى المدينة، فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد، فزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما ذكر حين راث عليه أبو
[٢٤] هو أبو لبابة الانصاري أحد النقباء، كان مناصحا لهم لأن ماله و ولده و عياله في بني قريظة.