حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٥٨٦ - ٣ خطر الاستئثار
بيد أنّ هذا القدر في تحليل مناشئ الظاهرة وأسبابها لا يعدّ كافيا، تماما كما سبق أن ذكرنا ذلك في تحليل مناشئ الإيثار، إذ ينبغي للتحليل أن يتوغّل أكثر ليكشف هذه المرّة عن مناشئ الحرص ولماذا يميل الإنسان إلى عدم الاهتمام بحقوق الناس، والاستخفاف بمكارم الأخلاق؟
إنّ الأصل العميق الذي ترجع إليه جذور ظاهرة الاستئثار وأسبابه، يتمثّل بالأنانية وغياب الإيمان أو ضعفه، فإذا عجز الإيمان عن استيعاب الغرور والأنانية الذاتية عند الإنسان ولم ينجح بهضمها وتوجيهها، فمن الطبيعي أن يتمخّض ذلك عن إنسان أناني مغرور، لا يعيش إلّا ذاته ولا يفكّر سوى بالاستحواذ على كلّ شيء والانفراد به لنفسه وذويه وقرابته ومن يرتبط به، وبتعبير الإمام عليّ عليه السلام:
مَن مَلَكَ استَأثَرَ.[١]
هذا التعليل هو الذي يفسّر مآلات التيارات المادّية ومصيرها، فمهما كانت العناوين التي ترفعها هذه التيارات والشعارات التي تلوّح بها في مضمار تأمين الحرّيات وضمان حقوق الناس، فإنّ المصير الذي تنتهي إليه عند تسلّم السلطة هو الاستئثار والفردية.
على ضوء هذه الحصيلة يمكن القول بأنّ جميع ضروب الاستئثار والفردية التي برزت في التاريخ الإسلامي ممّا كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله قد تنبّأ به وأخبر عن وقوعه؛ قد اكتسبت في مضمونها هوية مادّية ومنحىً مناهضا للدين، برغم شعاراتها الدينية وتواريها خلف اسم الدين.
٣. خطر الاستئثار
يعدّ الاستئثار من أخطر الخصال التي تفتك بالقيم وتدمّرها، فتبعاته المخرّبة لا
[١] نهج البلاغة: الحكمة ١٦٠، بحار الأنوار: ج ١٣ ص ٣٥٧ ح ٦٢؛ شُعب الإيمان: ج ٢ ص ٣١١ ح ١٩١٠.