حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٤٣٢ - رابعا الفرق بين الزهد الإسلامي والرهبانية المسيحية
الدنيا لا يُستثنى من هذه القاعدة، لذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
لا تَزهَدَنَّ في شَيءٍ حَتّى تَعرِفَهُ.[١]
وعلى هذا الأساس، فإنّ أئمّة الإسلام مع تحذيرهم الشديد من حبّ الدنيا، فإنّهم يقفون بوجه كلّ من يذمّ الدنيا دون علم ومعرفة ويدعو الآخرين إلى الزهد فيها، ويواجهونه بشدّة[٢].
وبعبارة أكثر وضوحا: إنّ الإسلام دين الدنيا والآخرة، وهو يَضمَنُ للناس المنافع الماديّة والمعنويّة في الحياة الدنيا والآخرة، يقول أمير المؤمنين عليه السلام في تصوير الخصال المطلوبة التي يدعو الإسلام الناس إليها:
اعلَموا عِبادَ اللّهِ أنَّ المُتَّقينَ حازوا عاجِلَ الخَيرِ وآجِلَهُ، شارَكوا أهلَ الدُّنيا في دُنياهُم، ولَم يُشارِكهُم أهلُ الدُّنيا في آخِرَتِهِم ... سَكَنُوا الدُّنيا بِأَفضَلِ ما سُكِنَت، وأكَلوها بِأَفضَلِ ما اكِلَت ... أصابوا لَذَّةَ الدُّنيا مَعَ أهلِ الدُّنيا، وهُم غَدا جيرانُ اللّهِ ....[٣]
وعلى هذا الأساس، ففي الإسلام الواقعي على خلاف المسيحيّة المحرّفة ليس ثمّة تضادّ بين الدنيا والآخرة، بل إنّ التأمّل في تعاليم الإسلام يقود إلى حقيقة جليّة وهي أنّ من خصائص هذه الشريعة أنّ المادية تنبع من باطن المعنويّة، والمعنويّة من باطن المادية، والزهد الإسلاميّ يتجسّد مفهومه حيثما تكون اللذائذ المادية ضارّة للفرد أو للمجتمع أو لكليهما.
[١] غرر الحكم: ح ١٠١٦٨، عيون الحكم والمواعظ: ص ٥٢٠ ح ٩٤٤٨.
[٢] راجع: الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة:( القسم الأوّل/ الفصل الثاني: أهميّة الدنيا ودورها في بناء الآخرة: النهي عن سبّ الدنيا وذمّها).
[٣] راجع: الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة:( القسم الأوّل/ الفصل الثاني: أهمية الدنيا ودورها في بناء الآخرة: ح ١٤٢).