البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٢ - أم المؤمنين عائشة بنت أبى بكر الصديق
و البهتان، غار اللَّه لها فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان. و قد ذكرنا ذلك مفصلا فيما سلف، و شرحنا الآيات و الأحاديث الواردة في ذلك في غزوة المريسيع، و بسطنا ذلك أيضا في كتاب التفسير بما فيه كفاية و مقنع، و للَّه الحمد و المنة. و قد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها، و اختلفوا في بقية أمهات المؤمنين، هل يكفر من قذفهن أم لا؟ على قولين، و أصحهما أنه يكفر، لأن المقذوفة زوجة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و اللَّه تعالى إنما غضب لها لأنها زوجة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فهي و غيرها منهن سواء. و من خصائصها رضى اللَّه عنها أنها كان لها في القسم يومان يومها و يوم سودة حين وهبتها ذلك تقربا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أنه مات في يومها و في بيتها و بين سحرها و نحرها، و جمع اللَّه بين ريقه و ريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، و أول ساعة من الآخرة، و دفن في بيتها.
و قد قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن إسماعيل عن مصعب بن إسحاق ابن طلحة عن عائشة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «إنه ليهون على أنى رأيت بياض كف عائشة في الجنة»
تفرد به أحمد. و هذا في غاية ما يكون من المحبة العظيمة أنه يرتاح لأنه رأى بياض كفها أمامه في الجنة. و من خصائصها أنها أعلم نساء النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، بل هي أعلم النساء على الإطلاق. قال الزهري:
لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه، و علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. و قال عطاء بن أبى رباح: كانت عائشة أفقه الناس، و أعلم الناس، و أحسن الناس رأيا في العامة. و قال عروة: ما رأيت أحدا أعلم بفقه و لا طب و لا شعر من عائشة، و لم ترو امرأة و لا رجل غير أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الأحاديث بقدر روايتها رضى اللَّه عنها، و قال أبو موسى الأشعري: «ما أشكل علينا أصحاب محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما». رواه الترمذي، و قال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض. فأما ما يلهج به كثير من الفقهاء و علماء الأصول من إيراد حديث: «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء» فإنه ليس له أصل و لا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام، و سألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي فقال:
لا أصل له. ثم لم يكن في النساء أعلم من تلميذاتها عمرة بنت عبد الرحمن، و حفصة بنت سيرين، و عائشة بنت طلحة. و قد تفردت أم المؤمنين عائشة بمسائل عن الصحابة لم توجد إلا عندها، و انفردت باختيارات أيضا وردت أخبار بخلافها بنوع من التأويل. و قد جمع ذلك غير واحد من الأئمة، فمن ذلك قال الشعبي: كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول اللَّه المبرأة من فوق سبع سماوات.
و ثبت في صحيح البخاري من حديث أبى عثمان النهدي عن عمرو بن العاص. قال: «قلت يا رسول اللَّه أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: و من الرجال؟ قال: أبوها»
و في صحيح البخاري أيضا عن أبى موسى قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «كمل