البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٣ - جبلة بن الأيهم الغساني
صعصعة بن ناجية
ابن عفان بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، كان سيدا في الجاهلية و في الإسلام، يقال إنه أحيى في الجاهلية ثلاثمائة و ستين موءودة، و قيل أربعمائة، و قيل ستا و تسعين موءودة،
فلما أسلم قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «لك أجر ذلك إذ من اللَّه عليك بالإسلام».
و يروى عنه أنه أول ما أحيى الموءودة أنه ذهب في طلب ناقتين شردتا له، قال فبينما أنا في الليل أسير إذ أنا بنار تضيء مرة و تخبو أخرى.
فجعلت لا أهتدى إليها، فقلت: اللَّهمّ لك على إن أوصلتنى إليها ان أدفع عن أهلها ضيما إن وجدته بهم، قال فوصلت إليها و إذا شيخ كبير يوقد نارا و عنده نسوة مجتمعات، فقلت: ما أنتن؟ فقلن إن هذه امرأة قد حبستنا منذ ثلاث، تطلق و لم تخلص، فقال الشيخ صاحب المنزل: و ما خبرك؟
فقلت: إني في طلب ناقتين ندّتا لي، فقال: قد وجدتهما، إنهما لفي إبلنا، قال فنزلت عنده؟
قال فما هو الا أن نزلت إذ قلن وضعت، فقال الشيخ: إن كان ذكرا فارتحلوا، و إن كان أنثى فلا تسمعننى صوتها، فقلت: علام تقتل ولدك و رزقه على اللَّه؟ فقال: لا حاجة لي بها، فقلت: أنا أفتديها منك و أتركها عندك حتى تبين عندك أو تموت. قال: بكم؟ قلت. بإحدى ناقتي، قال: لا! قلت فبهما، قال لا إلا أن تزيدني بعيرك هذا فأنى أراه شابا حسن اللون، قلت نعم على أن تردني إلى أهلي، قال نعم، فلما خرجت من عندهم رأيت أن الّذي صنعته نعمة من اللَّه منّ بها على هداني إليها، فجعلت للَّه على أن لا أجد موءودة إلا افتديتها كما افتديت هذه، قال فما جاء الإسلام حتى أحييت مائة موءودة إلا أربعة، و نزل القرآن بتحريم ذلك على المسلمين.
و ممن توفى في هذه السنة من المشاهير المذكورين
جبلة بن الأيهم الغساني
ملك نصارى العرب و هو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبى شمر، و اسمه المنذر بن الحارث، و هو ابن مارية ذات القرطين، و هو ابن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، و اسمه كعب أبو عامر بن حارثة بن امرئ القيس، و مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، و يقال غير ذلك في نسبه، و كنيته جبلة أبو المنذر الغساني الجفنى، و كان ملك غسان، و هم نصارى العرب أيام هرقل، و غسان أولاد عم الأنصار أوسها و خزرجها، و كان جبلة آخر ملوك غسان، فكتب إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كتابا مع شجاع بن وهب يدعوه إلى الإسلام فأسلم و كتب بإسلامه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال ابن عساكر: إنه لم يسلم قط، و هكذا صرح به الواحدي و سعيد بن عبد العزيز. و قال الواقدي:
شهد اليرموك مع الروم أيام عمر بن الخطاب ثم أسلم بعد ذلك في أيام عمر، فاتفق أنه وطئ رداء رجل من مزينة بدمشق فلطمه ذلك المزني، فدفعه أصحاب جبلة إلى أبى عبيدة فقالوا: هذا لطم جبلة، قال أبو عبيدة: فيلطمه جبلة: فقالوا: أو ما يقتل؟ قال لا! قالوا: فما تقطع يده؟ قال لا، إنما أمر اللَّه