البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٣ - ثم دخلت سنة إحدى و خمسين
فقال: لا أعين على قتل نفسي، فضربه فقتله. و كان قد أوصى أن يدفن في قيوده، ففعل به ذلك، و قيل: بل صلوا عليه و غسلوه.
و روى أن الحسن بن على. قال: أصلوا عليه و دفنوه في قيوده؟
قالوا: نعم! قال: حجهم و اللَّه.
و الظاهر أن الحسين قائل هذا، فان حجرا قتل في سنة إحدى و خمسين، و قيل سنة ثلاث و خمسين، و على كل تقدير فالحسن قد مات قبله و اللَّه أعلم. فقتلوه (رحمه اللَّه) و سامحه.
و روينا أن معاوية لما دخل على أم المؤمنين عائشة فسلم عليها من وراء الحجاب- و ذلك بعد مقتله حجرا و أصحابه- قالت له: أين ذهب عنك حلمك يا معاوية حين قتلت حجرا و أصحابه؟ فقال لها:
فقدته حين غاب عنى من قومي مثلك يا أماه. ثم قال لها: فكيف بري بك يا أمه؟ فقالت: إنك بى لبار، فقال: يكفيني هذا عند اللَّه، و غدا لي و لحجر موقف بين يدي اللَّه عز و جل. و في رواية أنه قال: إنما قتله الذين شهدوا عليه. و روى ابن جرير أن معاوية جعل يغرغر بالموت و هو يقول: إن يومى بك يا حجر بن عدي لطويل، قالها ثلاثا فاللَّه أعلم.
و قال محمد بن سعد في الطبقات: ذكر بعض أهل العلم أن حجرا وفد إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع أخيه هانئ بن عدي،- و كان من أصحاب على- فلما قدم زياد بن أبى سفيان واليا على الكوفة دعا بحجر بن عدي فقال: تعلم أنى أعرفك و قد كنت أنا و أباك على أمر قد علمت- يعنى من حب على- و أنه قد جاء غير ذلك، و إني أنشدك اللَّه أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كله، أملك عليك لسانك، و ليسعك منزلك، و هذا سريري فهو مجلسك، و حوائجك مقضية لدى، فاكفني نفسك فانى أعرف عجلتك، فأنشدك اللَّه في نفسك، و إياك و هذه السقطة و هؤلاء السفهاء أن يستنزلوك عن رأيك. فقال حجر: قد فهمت، ثم انصرف إلى منزله فأتاه الشيعة فقالوا: ما قال لك؟ قال قال لي كذا و كذا. و سار زياد إلى البصرة ثم جعلوا يترددون إليه يقولون له: أنت شيخنا، و إذا جاء المسجد مشوا معه، فأرسل إليه عمرو بن حريث- نائب زياد على الكوفة- يقول: ما هذه الجماعة و قد أعطيت الأمير ما قد علمت؟ فقال للرسول: إنهم ينكرون ما أنتم عليه، إليك وراءك أوسع لك. فكتب عمرو بن حريث إلى زياد: إن كان لك حاجة بالكوفة فالعجل العجل، فأعجل زياد السير إلى الكوفة، فلما وصل بعث إليه عدي بن حاتم، و جرير بن عبد اللَّه البجلي، و خالد بن عرفطة في جماعة من أشراف الكوفة لينهوه عن هذه الجماعة، فأتوه فجعلوا يحدثونه و لا يرد عليهم شيئا، بل جعل يقول: يا غلام أعلفت البكر؟ لبكر مربوط في الدار- فقال له عدي بن حاتم: أ مجنون أنت؟
نكلمك و أنت تقول: أعلفت البكر، ثم قال عدي لأصحابه: ما كنت أظن هذا البائس بلغ به الضعف كل ما أرى. ثم نهضوا فأخبروا زيادا ببعض الخبر و كتموه بعضا، و حسنوا أمره و سألوه الرّفق به فلم يقبل، بل بعث إليه الشرط و المحاربة فأتى به و بأصحابه، فقال له: مالك ويلك؟ قال: