البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٦ - أسماء بنت أبى بكر الصديق
عوف بن مالك رضى اللَّه عنه
هو عوف بن مالك بن أبى عوف الأشجعي الغطفانيّ صحابى جليل، شهد موتة مع خالد بن الوليد و الأمراء قبله، و شهد الفتح و كانت معه راية قومه يومئذ، و شهد فتح الشام، و روى عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث، و روى عنه جماعة من التابعين و أبو هريرة، و قد مات قبله، و قال الواقدي و خليفة ابن خياط و أبو عبيد و غير واحد: توفى سنة ثلاث و سبعين بالشام
أسماء بنت أبى بكر الصديق
والدة عبد اللَّه بن الزبير، يقال لها ذات النطاقين، و إنما سميت بذلك عام الهجرة حين شقت نطاقها فربطت به سفرة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبى بكر حين خرجا عامدين إلى المدينة، و أمها قيلة و قيل قبيلة بنت عبد العزى من بنى عامر بن لوى. أسلمت أسماء قديما و هم بمكة في أول الإسلام، و هاجرت هي و زوجها الزبير و هي حامل متم بولدها عبد اللَّه فوضعته بقبا أول مقدمهم المدينة، ثم ولدت للزبير بعد ذلك عروة و المنذر. و هي آخر المهاجرين و المهاجرات موتا، و كانت هي و أختها عائشة و أبوها أبو بكر الصديق و جدها أبو عتيق و ابنها عبد اللَّه و زوجها الزبير صحابين رضى اللَّه عنهم، و قد شهدت اليرموك مع ابنها و زوجها، و هي أكبر من أختها عائشة بعشر سنين. و قيل إن الحجاج دخل عليها بعد أن قتل ابنها فقال: يا أماه إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أم المصلوب على الثنية، و ما لي من حاجة، و لكن
أحدثك أنى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «يخرج من ثقيف كذاب و مبير»
فأما الكذاب فقد رأيناه، و أما المبير فلا أراك إلا إياه. فقال: أنا مبير المنافقين. و قيل إن ابن عمر دخل معه عليها و ابنها مصلوب فقال لها: إن هذا الجسد ليس بشيء و إنما الأرواح عند اللَّه فاتقى اللَّه و اصبري، فقالت: و ما يمنعني من الصبر و قد أهدى رأس يحيى بن زكريا إلى بغى من بغايا بنى إسرائيل؟. و قيل إنها غسلته و حنطته و كفنته و طيبته وصلت عليه ثم دفنته، ثم ماتت بعده بأيام في آخر جمادى الآخرة، ثم إن الزبير لما كبرت طلقها، و قيل بل قال له عبد اللَّه ابنه: إن مثلي لا توطأ أمه، فطلقها الزبير، و قيل: بل اختصمت هي و الزبير فجاء عبد اللَّه ليصلح بينهما فقال الزبير: إن دخلت فهي طالق، فدخلت فبانت فاللَّه أعلم.
و قد عمرت أسماء دهرا صالحا و أضرت في آخر عمرها، و قيل بل كانت صحيحة البصر لم يسقط لها سن. و أدركت قتل ولدها في هذه السنة كما ذكرنا، ثم ماتت بعده بخمسة أيام، و قيل بعشرة، و قيل بعشرين، و قيل بضع و عشرين يوما، و قيل عاشت بعده مائة يوم و هو الأشهر، و بلغت من العمر مائة سنة و لم يسقط لها سن و لم ينكر لها عقل رحمها اللَّه. و قد روت عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عدة أحاديث طيبة مباركة رضى اللَّه عنها و رحمها.