البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٢ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
تكاثروا عليه حتى قتلوه و احتزوا رأسه، و كان مقتله قريبا من الحجون، و يقال: بل قتل و هو متعلق بأستار الكعبة فاللَّه أعلم. ثم صلبه الحجاج منكسا على ثنية كدا عند الحجون، ثم لما أنزله دفنه في مقابر اليهود كما رواه مسلم، و قيل دفن بالحجون بالمكان الّذي صلب فيه، فاللَّه أعلم. و قال عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال قال عبد اللَّه بن الزبير لما جيء برأس المختار: ما كان يحدثنا كعب الأحبار شيئا إلا وجدناه إلا قوله إن فتى ثقيف يقتلني، و هذا رأسه بين يدي، قال ابن سيرين: و لم يشعر أنه قد خبئ له الحجاج. و روى هذا من وجه آخر. قلت: و المشهور أن مقتل الزبير كان في سنة ثلاث و سبعين يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى، و قيل الآخرة منها، و عن مالك و غيره أن مقتله كان على رأس اثنين و سبعين، و المشهور الصحيح هو الأول، و كانت بيعته في سابع رجب سنة أربع و ستين، و كان مولده في أول سنة إحدى من الهجرة، و قيل في شوال سنة ثنتين من الهجرة، فمات و قد جاوز السبعين قطعا و اللَّه أعلم.
و أما أمه فإنها لم تعش بعده إلا مائة يوم، و قيل عشرة أيام، و قيل خمسة، و الأول هو المشهور و ستأتي ترجمتها قريبا رضى اللَّه عنها و عن أبيها و ابنها، و قد رثى ابن الزبير و أخوه مصعب بمراثي كثيرة حسنة بليغة، من ذلك قول معمر بن أبى معمر الذهلي يرثيهما بأبيات:-
لعمرك ما أبقيت في الناس حاجة* * * و لا كنت ملبوس الهدى متذبذبا
غداة دعاني مصعب فأجبته* * * و قلت له أهلا و سهلا و مرحبا
أبوك حواري الرسول و سيفه* * * فأنت بحمد اللَّه من خيرنا أبا
و ذاك أخوك المهتدي بضيائه* * * بمكة يدعونا دعاء مثوبا
و لم أك ذا وجهين وجه لمصعب* * * مريض و وجه لابن مروان إذ صبا
و كنت امرأ ناصحته غير مؤثر* * * عليه ابن مروان و لا متقربا
إليه بما تقذى به عين مصعب* * * و لكنني ناصحت في اللَّه مصعبا
إلى أن رمته الحادثات بسهمها* * * فيا للّه سهما ما أسد و أصوبا
فان يك هذا الدهر أردى بمصعب* * * و أصبح عبد اللَّه شلوا ملحبا
فكل امرئ حاس من الموت جرعة* * * و إن حاد عنها جهده و تهيبا
و قيل: إن عبد اللَّه بن الزبير غسلته أمه أسماء بعد أن قطعت مفاصيله و حنطته و طيبته و كفنته و صلت عليه و حملته إلى المدينة، فدفنته بدار صفية بنت حييى، ثم إن هذه الدار زيدت في مسجد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فهو مدفون في المسجد مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبى بكر و عمر، و قد ذكر ذلك غير واحد فاللَّه أعلم.
و قد روى الطبراني عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير أن أباه حدثه أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أعطاه دم