البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤١ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
و انصرف، فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه يلومه في مخاطبته أسماء، و قال: ما لك و لابنة الرجل الصالح؟ و قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: ثنا عقبة بن مكرم حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرميّ أنبأ الأسود بن شيبان عن أبى نوفل. قال: رأيت عبد اللَّه بن الزبير على ثنية الحجون مصلوبا فجعلت قريش تمر عليه و الناس حتى مر عليه عبد اللَّه بن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما و اللَّه لقد كنت أنهاك عن هذا، أما و اللَّه لقد كنت أنهاك عن هذا، أما و اللَّه لقد كنت أنهاك عن هذا، أما و اللَّه إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم، أما و اللَّه لامة أنت شرها لأمة خير، ثم بعد عبد اللَّه بن عمر. فبلغ الحجاج وقوف ابن عمر عليه و قوله ما قال، فأرسل إليه فأنزله عن جذعه و ألقى في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبى بكر فأبت أن تأتيه فأعاد عليها الرسول لتأتينى أو لأبعثن إليك من يسحبك من قرونك، فأبت و قالت: و اللَّه لا آتيه حتى يبعث إلى من يسحبنى بقروني، فقال الحجاج:
أرونى سبتيتى فأخذ نعليه ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتينى صنعت بعد و اللَّه؟
قالت رأيتك فسدت عليه دنياه، و أفسدت عليك آخرتك، بلغني أنك تقول: يا ابن ذات النطاقين، أنا و اللَّه ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و طعام أبى بكر، و أما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول اللَّه حدثنا أن في ثقيف كذابا و مبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، و أما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها و لم يراجعها» انفرد به مسلم. و روى الواقدي أن الحجاج لما صلب ابن الزبير على ثنية الحجون بعثت إليه أسماء تدعو عليه، و طلبت منه أن يدفن فأبى عليها، حتى كتب إلى عبد الملك في ذلك فكتب إليه أن يدفن فدفن بالحجون، و ذكروا أنه كان يشتم من عند قبره ريح المسك.
و كان الحجاج قد قدم من الشام في ألفى فارس و انضاف إليه طارق بن عمرو في خمسة آلاف، و روى محمد بن سعد و غيره بسنده أن الحجاج حاصر ابن الزبير، و أنه اجتمع معه أربعون ألفا:
و أنه نصب المنجنيق على أبى قبيس ليرمي به المسجد الحرام، و أنه أمن من خرج إليه من أهل مكة و نادى فيهم بذلك، و قال: إنا لم نأت لقتال أحد سوى ابن الزبير، و أنه خير ابن الزبير بين ثلاث إما أن يذهب في الأرض حيث شاء، أو يبعثه إلى الشام مقيدا بالحديد، أو يقاتل حتى يقتل. فشاور أمه فأشارت عليه بالثالث فقط، و يروى أنها استدعت بكفن له و بخرته و شجعته على القتل، فخرج بهذه النية فقاتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين قتالا شديدا فجاءته آجرة ففلقت رأسه فسقط على وجهه إلى الأرض، ثم أراد أن ينهض فلم يقدر، فاتكأ على مرفقه الأيسر و جعل يحدم بالسيف من جاءه، فأقبل إليه رجل من أهل الشام فضربه فقطع رجله، ثم