البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٣ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
دمشق لغزو القسطنطينية، ثم قدمها مرة أخرى و بويع بالخلافة أيام يزيد بن معاوية لما مات معاوية ابن يزيد، فكان على الحجاز و اليمن و العراقين و مصر و خراسان و سائر بلاد الشام إلا دمشق، و تمت البيعة له سنة أربع و ستين و كان الناس بخير في زمانه] [١] و ثبت من غير وجه عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها خرجت بعبد اللَّه من مكة مهاجرة و هي حبلى به فولدته بقبا أول مقدمهم المدينة، فأتت به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فحنكه و سماه عبد اللَّه و دعا له، و فرح المسلمون به لأنه كانت اليهود قد زعموا أنهم قد سحروا المهاجرين فلا يولد لهم في المدينة، فلما ولد ابن الزبير كبر المسلمون، و قد سمع عبد اللَّه بن عمر جيش الشام حين كبروا عند قتله، فقال: أما و اللَّه للذين كبروا عند مولده خير من هؤلاء الذين كبروا عند قتله، و أذن الصديق في أذنه حين ولد رضى اللَّه عنهما، و من قال إن الصديق طاف به حول الكعبة و هو في خرقة فهو واهم و اللَّه أعلم. و إنما طاف الصديق به في المدينة ليشتهر أمر ميلاده على خلاف ما زعمت اليهود. و قال مصعب الزبيري: كان عارضا عبد اللَّه خفيفين، و ما اتصلت لحيته حتى بلغ ستين سنة، و قال الزبير بن بكار: حدثني على بن صالح عن عامر بن صالح عن سالم بن عبد اللَّه بن عروة عن أبيه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كلم في غلمة ترعرعوا منهم عبد اللَّه ابن جعفر، و عبد اللَّه بن الزبير، و عمر بن أبى سلمة،
فقيل يا رسول اللَّه لو بايعتهم فتصيبهم بركتك و يكون لهم ذكر، فأتى بهم إليه فكأنهم تكعكعوا و اقتحم عبد اللَّه بن الزبير، فتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قال: «إنه ابن أبيه و بايعه».
و قد روى من غير وجه أن عبد اللَّه بن الزبير شرب من دم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، «كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قد احتجم في طست فأعطاه عبد اللَّه بن الزبير ليريقه فشربه فقال له لا تمسك النار إلا تحلة القسم، و ويل لك من الناس و ويل للناس منك»
[و
في رواية أنه قال له: «يا عبد اللَّه اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراك أحد، فلما بعد عمد إلى ذلك الدم فشربه، فلما رجع قال: ما صنعت بالدم؟ قال: إني شربته لأزداد به علما و إيمانا، و ليكون شيء من جسد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في جسدي، و جسدي أولى به من الأرض، فقال: ابشر لا تمسك النار أبدا. و ويل لك من الناس و ويل للناس منك»
] [٢] و قال محمد بن سعد: أنبأ مسلم بن إبراهيم ثنا الحارث بن عبيد ثنا أبو عمران الجونى أن نوفا كان يقول: إني لأجد في كتاب اللَّه المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء. و قال حماد بن زيد عن ثابت البناني قال: كنت أمر بعبد اللَّه بن الزبير و هو يصلى خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك.
و قال الأعمش عن يحيى بن وثاب: كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تصعد و تنزل لا تراه الأجذم حائط. و قال غيره: كان ابن الزبير يقوم ليله حتى يصبح، و يركع ليله حتى
[١]، (٢) سقط من المصرية.