البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٧ - الأحنف بن قيس
رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دعا له، و كان سيدا شريفا مطاعا مؤمنا، عليم اللسان، و كان يضرب بحلمه المثل و له أخبار في حلمه سارت بها الركبان، قال عنه عمر بن الخطاب: هو مؤمن عليم اللسان. و قال الحسن البصري: ما رأيت شريف قوم أفضل منه، و قال أحمد بن عبد اللَّه العجليّ: هو بصرى تابعي ثقة، و كان سيد قومه، و كان أعور أحيف الرجلين ذميما قصيرا كوسجا له بيضة واحدة، احتبسه عمر عن قومه سنة يختبره، ثم قال: هذا و اللَّه السيد- أو قال السؤدد- و قيل إنه خطب عند عمر فأعجبه منطقه، قيل ذهبت عينه بالجدري، و قيل في فتح سمرقند، و قال يعقوب بن سفيان: كان الأحنف جوادا حليما، و كان رجلا صالحا، أدرك الجاهلية ثم أسلم، و ذكر للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) فاستغفر له، و قال:
كان ثقة مأمونا قليل الحديث [و كان كثير الصلاة بالليل، و كان يسرج المصباح و يصلى و يبكى حتى الصباح، و كان يضع إصبعه في المصباح و يقول: حسّ يا أحنف، ما حملك على كذا؟ ما حملك على كذا؟ و يقول لنفسه: إذا لم تصبر على المصباح فكيف تصبر على النار الكبرى؟ و قيل له: كيف سودك قومك و أنت أرذلهم خلقة؟ قال: لو عاب قومي الماء ما شربته، كان الأحنف من أمراء على يوم صفين، و هو الّذي صالح أهل بلخ على أربعمائة ألف دينار في كل سنة، و له وقائع مشهودة مشهورة، و قتل من أهل خراسان خلقا كثيرا في القتال بينهما، و انتصر عليهم] [١] و قال الحاكم: و هو الّذي افتتح مروالروذ، و كان الحسن و ابن سيرين في جيشه، و هو الّذي افتتح سمرقند و غيرها من البلاد، و قيل إنه مات سنة سبع و ستين، و قيل غير ذلك، عن سبعين سنة، و قيل عن أكثر من ذلك.
و من كلامه و قد سئل عن الحلم ما هو؟ فقال: الذل مع الصبر، و كان إذا تعجب الناس من حلمه يقول: و اللَّه إني لأجد ما يجدون، و لكنى صبور. و قال: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال [و قد انتهى إليه الحلم و السؤدد، و قال: أحيى معروفك باماتة ذكره، و قال عجبت لمن يجرى مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟ و قال: ما أتيت باب أحد من هؤلاء إلا أن أدعى، و لا دخلت بين اثنين إلا أن يدخلانى بينهما، و قيل له: بم سدت قومك؟ قال: بتركى من الأمر ما لا يعنيني، كما عناك من من أمرى ما لا يعنيك. و أغلظ له رجل في الكلام و قال: و اللَّه يا أحنف لئن قلت لي واحدة لتسمعن بدلها عشرا، فقال له: إنك إن قلت لي عشرا لا تسمع منى واحدة، و كان يقول في دعائه: اللَّهمّ إن تعذبني فأنا أهل لذلك، و إن تغفر لي فأنت أهل لذلك] [٢] و قد كان زياد بن أبيه يقربه و يدنيه، فلما مات زياد و ولى ابنه عبيد اللَّه لم يرفع به رأسا، فتأخرت عنده منزلته، فلما وفد برؤساء أهل العراق على معاوية أدخلهم عليه على مراتبهم عنده، فكان الأحنف آخر من أدخله عليه، فلما رآه معاوية أجله و عظمه، و أدناه و أكرمه، و أجلسه معه على الفراش، ثم أقبل عليه يحادثه دونهم،
[١]، (٢) سقط من المصرية