البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢ - ثم دخلت سنة تسع و أربعين
و كان جوادا ممدحا كريما و هو الّذي يقول فيه الشاعر:
و ما كان قيس هلكه هلك واحد* * * و لكنه بنيان قوم تهدما
و قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء و أبا سفيان بن العلاء يقولان: قيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، لقد اختلفنا إليه في الحكم كما يختلف إلى الفقهاء، فبينا نحن عنده يوما و هو قاعد بفنائه محتب بكسائه أتته جماعة فيهم مقتول و مكتوف فقالوا:
هذا ابنك قتله ابن أخيك، قال: فو اللَّه ما حل حبوته حتى فرغ من كلامه، ثم التفت إلى ابن له في المسجد فقال: أطلق عن ابن عمك، و وار أخاك و احمل إلى أمه مائة من الإبل فإنها غريبة، و يقال إنه لما حضرته الوفاة جلس حوله بنوه- و كانوا اثنين و ثلاثين ذكرا- فقال لهم: يا بنى سوّدوا عليكم أكبركم تخلفوا أباكم، و لا تسوّدوا أصغركم فيزدرى بكم أكفاؤكم، و عليكم بالمال و اصطناعه فإنه نعم ما يهبه الكريم، و يستغنى به عن اللئيم، و إياكم و مسألة الناس فإنها من أخس مكسبة الرجل، و لا تنوحوا عليّ فان رسول اللَّه لم ينح عليه، و لا تدفنونى حيث يشعر بكر بن وائل، فانى كنت أعاديهم في الجاهلية. و فيه يقول الشاعر
عليك سلام اللَّه قيس بن عاصم* * * و رحمته ما شاء أن يترحما
تحية من أوليته منك منة* * * إذا ذكرت مثلتها تملأ الفما
فما كان قيس هلكه هلك واحد* * * و لكنه بنيان قوم تهدما
ثم دخلت سنة ثمان و أربعين
فيها شتى أبو عبد الرحمن القتبى بالمسلمين ببلاد انطاكية، و فيها غزا عقبة بن عامر بأهل مصر البحر، و حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة.
ثم دخلت سنة تسع و أربعين
فيها غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم حتى بلغ قسطنطينية و معه جماعات من سادات الصحابة منهم ابن عمرو ابن عباس و ابن الزبير و أبو أيوب الأنصاري.
و قد ثبت في صحيح البخاري أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «أول جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم»
فكان هذا الجيش أول من غزاها، و ما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد. و فيها توفى أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، و [قيل] لم يمت في هذه الغزوة بل بعدها سنة إحدى أو ثنتين أو ثلاث و خمسين كما سيأتي. و فيها عزل معاوية مروان عن المدينة و ولى عليها سعيد بن العاص، فاستقضى سعيد عليها أبا سلمة بن عبد الرحمن.
و فيها شتى مالك بن هبيرة الفزاري بأرض الروم، و فيها كانت غزوة فضالة بن عبيد، و شتى لك، ففتح البلد و غنم شيئا كثيرا. و فيها كانت صائفة عبد اللَّه بن كرز. و فيها وقع الطاعون بالكوفة فخرج