البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٦ - و فيها توفى عبد اللَّه بن عباس ترجمان القرآن و ابن عم رسول الملك الديان
عام حجة الوداع. و في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا مختون، و كانوا لا يختنون الغلام حتى يحتلم. و قال شعبة و هشام و ابن عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا ابن عشر سنين مختون. زاد هشام: و قد جمعت المحكم على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). قلت: و ما المحكم؟ قال: المفصل. و قال أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبى إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا ابن خمس عشرة سنة مختون، و هذا هو الأصح و يؤيده صحة ما ثبت في الصحيحين، و رواه مالك عن الزهري عن عبيد اللَّه عن ابن عباس قال: أقبلت راكبا على أتان و أنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يصلى بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت و أرسلت الأتان ترتع و دخلت في الصف، فلم ينكر على ذلك أحد. و ثبت عنه في الصحيح أنه قال: كنت أنا و أمى من المستضعفين، كانت أمى من النساء و كنت أنا من الولدان، و هاجر مع أبيه قبل الفتح، فاتفق لقياهما النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بالجحفة، و هو ذاهب لفتح مكة، فشهد الفتح و حنينا و الطائف عام ثمان، و قيل كان في سنة تسع و حجة الوداع سنة عشر، و صحب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حينئذ و لزمه، و أخذ عنه و حفظ و ضبط الأقوال و الأفعال و الأحوال، و أخذ عن الصحابة علما عظيما مع الفهم الثاقب، و البلاغة و الفصاحة و الجمال و الملاحة، و الاصالة و البيان، و دعا له رسول الرحمن (صلى اللَّه عليه و سلم)، كما وردت به الأحاديث الثابتة الأركان، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «دعا له بأن يعلمه التأويل، و أن يفقهه في الدين».
و قال الزبير ابن بكار: حدثني ساعدة بن عبيد اللَّه المزني عن داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه قال: إن عمر كان يدعو عبد اللَّه بن عباس فيقربه و يقول: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دعاك يوما فمسح رأسك و تفل في فيك و قال: «اللَّهمّ فقهه في الدين، و علمه التأويل». و به أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «اللَّهمّ بارك فيه و انشر منه».
و قال حماد بن سلمة عن عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: بت في بيت خالتي ميمونة فوضعت للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) غسلا، فقال:
«من وضع هذا؟ قالوا: عبد اللَّه بن عباس، فقال: اللَّهمّ علمه التأويل، و فقهه في الدين».
و قد رواه غير واحد عن ابن خيثم بنحوه.
و قال الامام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن بكر بن أبى صفرة أبو يونس عن عمرو بن دينار أن كريبا أخبره أن ابن عباس قال: أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه، فلما أقبل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على صلاته خنست فصلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلما انصرف من صلاته قال: «ما شأنى أجعلك في حذائى فتخنس»؟
فقلت: يا رسول اللَّه أو ينبغي لأحد أن يصلى في حذائك و أنت رسول اللَّه الّذي أعطاك اللَّه عز و جل؟ قال: فأعجبته فدعا اللَّه لي أن يزيدني