البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩١ - و هذه ترجمة المختار بن أبى عبيد الكذاب
فجمع العساكر فما تم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فقتله و احتز رأسه و أمر بصلب كفه على باب المسجد، و بعث مصعب برأس المختار مع رجل من الشرط على البريد، إلى أخيه عبد اللَّه بن الزبير، فوصل مكة بعد العشاء فوجد عبد اللَّه يتنفل، فما زال يصلى حتى أسحر و لم يلتفت إلى البريد الّذي جاء بالرأس، فلما كان قريب الفجر قال: ما جاء بك؟
فألقى إليه الكتاب فقرأه، فقال: يا أمير المؤمنين معى الرأس، فقال: ألقه على باب المسجد، فألقاه ثم جاء فقال: جائزتي يا أمير المؤمنين، فقال: جائزتك الرأس الّذي جئت به تأخذه معك إلى العراق ثم زالت دولة المختار كأن لم تكن، و كذلك سائر الدول، و فرح المسلمون بزوالها، و ذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقا، بل كان كاذبا يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل.
قال الامام أحمد:
حدثنا ابن نمير حدثنا عيسى القارئ أبو عمير بن السدي عن رفاعة القبابي قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة و قال: لو لا أن أخى جبريل قام عن هذه لألقيتها لك، قال: فأردت أن أضرب عنقه قال فذكرت حديثا حدثنيه أخى عمر بن الحمق، قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء».
و قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن حماد بن سلمة حدثني عبد الملك بن عمير عن رفاعة بن شداد. قال: كنت أقوم على رأس المختار فلما عرفت كذبه هممت أن أسل سيفي فأضرب عنقه
، فذكرت حديثا حدثناه عمر بن الحمق. قال سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «من أمن رجلا على نفسه فقتله أعطى لواء غدر يوم القيامة».
و رواه النسائي و ابن ماجة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير و في لفظ لهما: «من أمن رجلا على دم فقتله فأنا بري من القاتل، و إن كان المقتول كافرا».
و في سند هذا الحديث اختلاف. و قد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال صدق، قال تعالى وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ و روى ابن أبى حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني و أنزلنى عنده، و كان يتعاهد مبيتي بالليل قال فقال لي: اخرج فحدث الناس، قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت الوحي وحيان قال اللَّه تعالى إنا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ و قال تعالى وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً قال فهموا أن يأخذونى فقلت: ما لكم و ذاك! إني مفتيكم و ضيفكم. فتركوني، و إنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار و كذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه.
و روى الطبراني من طريق أنيسة بنت زيد بن الأرقم أن أباها دخل على المختار بن أبى عبيد فقال له: يا أبا عمر لو شفت [١] رأى جبريل و ميكائيل، فقال له زيد خسرت و تعست، أنت أهون
[١] كذا بالأصول كلها و في القاموس: شاف تطلع و أشرف.