البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٨ - و هذا ذكر مقتل المختار بن أبى عبيد الثقفي الكذاب على يدي مصعب بن الزبير و أهل البصرة
و هو يبشرهم بالنصر، فلما انتهى مصعب إلى قريب الكوفة لقيتهم الكتائب المختارية فحملت عليهم الفرسان الزبيرية، فما لبثت المختارية إلا يسيرا حتى هربوا على حمية، و قد قتل منهم جماعة من الأمراء، و خلق من القراء و طائفة كثيرة من الشيعة الأغبياء، ثم انتهت الهزيمة إلى المختار.
[و قال الواقدي: لما انتهت مقدمة المختار إليه جاء مصعب فقطع الدجلة إلى الكوفة و قد حصن المختار القصر و استعمل عليه عبد اللَّه بن شداد و خرج المختار بمن بقي معه فنزل حروراء فلما قرب جيش مصعب منه جهز إلى كل قبيلة كردوسا، فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ، و إلى عبد القيس مالك بن منذر، و إلى العالية عبد اللَّه بن جعدة، و إلى الأزد مسافر بن سعيد، و إلى بنى تميم سليم بن يزيد الكندي، و إلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك، و وقف المختار في بقية أصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الليل فقتل أعيان أصحاب المختار و قتل تلك الليلة محمد بن الأشعث و عمير ابن على بن أبى طالب، و تفرق عن المختار باقي أصحابه، فقيل له القصر القصر، فقال: و اللَّه ما خرجت منه و أنا أريد أن أعود إليه، و لكن هذا حكم اللَّه، ثم ساروا إلى القصر فدخل و جاءه مصعب ففرق القبائل في نواحي الكوفة، و اقتسموا المحال، و خلصوا إلى القصر، و قد منعوا المختار المادة و الماء، و كان المختار يخرج فيقاتلهم ثم يعود إلى القصر، و لما اشتد عليه الحصار قال لأصحابه: إن الحصار لا يزيدنا إلا ضعفا، فانزلوا بنا حتى نقاتل حتى الليل حتى نموت كراما، فوهنوا فقال أما فو اللَّه لا أعطى بيدي. ثم اغتسل و تطيب و تحنط و خرج فقاتل هو و من معه حتى قتلوا] [١] و قيل بل أشار عليه جماعة من أساورته بأن يدخل القصر دار إمارته، فدخله و هو ملوم مذموم، و عن قريب ينفذ فيه القدر المحتوم، فحاصره مصعب فيه و جميع أصحابه حتى أصابهم من جهد العطش ما اللَّه به عليم، و ضيق عليهم المسالك و المقاصد، و انسدت عليهم أبواب الحيل، و ليس فيهم رجل رشيد و لا حليم، ثم جعل المختار يجيل فكرته و يكرر رويّته في الأمر الّذي قد حل به، و استشار من عنده في هذا السبب السيئ الّذي قد اتصل سببه بسببه من الموالي و العبيد، و لسان القدر و الشرع يناديه قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ ثم قوى عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه، على أن أخرجته من بين من كان يحالفه و يواليه، و رأى أن يموت على فرسه، حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه، فنزل حمية و غضبا، و شجاعة و كلبا، و هو مع ذلك لا يجد مناصا و لا مفرا و لا مهربا، و ليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر، و لعله إن كان قد استمر على ما عاش عليه أن لا يفارقه التسعة عشر الموكلون بسقر، و لما خرج من القصر سأل أن يخلى سبيله فيذهب في أرض اللَّه فقالوا له: إلا على حكم الأمير. و المقصود أنه لما خرج من القصر تقدم إليه رجلان شقيقان أخوان،
[١] سقط من المصرية