البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - خلافة عبد الملك بن مروان
أم الأمير بها ماتت فلم يوجد لها من يحملها، حتى استأجروا لها أربعة أنقس. و قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا عبيد اللَّه ثنا أحمد بن عصام حدثني معدى عن رجل يكنى أبا النفيد، و كان قد أدرك من هذا الطاعون، قال: كنا نطوف بالقبائل و ندفن الموتى، فلما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار و قد مات أهلها فنسد بابها عليهم. قال فدخلنا دارا ففتشناها فلم نجد فيها أحدا حيا فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف فنفتح تلك السدد عن الأبواب، ففتحنا سدة الباب الّذي كنا فتشناه- أو قال الدار التي كنا سددناها- و فتشناها فإذا نحن بغلام في وسط الدار طرى دهين، كأنما أخذ ساعتئذ من حجر أمه، قال: فبينما نحن وقوف على الغلام نتعجب منه إذ دخلت كلبة من شق في الحائط فجعلت تلوز بالغلام و الغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها، قال معدى: و أنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة و قد قبض على لحيته قال ابن جرير: و في هذه السنة بنى عبد اللَّه بن الزبير الكعبة البيت الحرام، يعنى أكمل بناءها و أدخل فيها الحجر، و جعل لها بابين يدخل من أحدهما و يخرج من الآخر.
[قال ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبى إسرائيل حدثني عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد حدثني زياد بن جبل أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير، فسمعته يقول: حدثتني أمى أسماء بنت أبى بكر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعائشة: «لو لا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم فأزيد في الكعبة من الحجر»:
قال: فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا تلاعا أمثال الإبل، فحركوا منها تلعة- أو قال صخرة- فبرقت برقة فقال: أقروها على أساسها، فبناها ابن الزبير و جعل لها بابين يدخل من أحدهما و يخرج من الآخر] [١] قلت: هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في الصحاح و الحسان و المسانيد، و موضوع سياق طرق ذلك في كتاب الأحكام إن شاء اللَّه تعالى.
و ذكر ابن جرير في هذه السنة حروبا جرت بين عبد اللَّه بن خازم بخراسان، و بين الحرشيّ ابن هلال القزيعى يطول تفصيلها. قال: و حج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير، و كان على المدينة مصعب بن الزبير، و على الكوفة عبد اللَّه بن مطيع، و على البصرة الحارث بن عبد اللَّه ابن أبى ربيعة المخزومي.
[و ممن توفى فيها من الأعيان عبد اللَّه بن عمرو بن العاص بن وائل أبو محمد السهمي كان من خيار الصحابة و علمائهم و عبادهم، و كتب عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كثيرا، أسلم قبل أبيه، و لم يكن أصغر من أبيه الا باثني عشرة سنة، و كان واسع العلم مجتهدا في العبادة، عاقلا، و كان يلوم أباه في القيام مع معاوية،
[١] سقط من المصرية