البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٢ - خلافة عبد الملك بن مروان
صبرا باهرا، و كان في نحو من ثلاثين ألفا، ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة، فانهزم أصحاب المهلب لا يلوى والد على ولد، و لا يلتفت أحد إلى أحد، و وصل إلى البصرة فلّا لهم، و أما المهلب فإنه سبق المنهزمين فوقف لهم بمكان مرتفع، و جعل ينادى: إلى عباد اللَّه، فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان، فقام فيهم خطيبا فقال في خطبته: أما بعد أيها الناس، فان اللَّه تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون، و ينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون، و لعمري ما بكم الآن من قلة، و أنتم فرسان الصبر و أهل النصر، و ما أحب أن أحداً ممن انهزموا معكم الآن و لو كانوا فيكم ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا ثم قال: عزمت على كل رجل منكم إلا أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم فإنهم الآن آمنون، و قد خرجت خيولهم في طلب إخوانكم، فو اللَّه إني لأرجو أن لا ترجع خيولهم إلا و قد استبحتم عسكرهم، و تقتلوا أميرهم. ففعل الناس ذلك، فزحف بهم المهلب بن أبى صفرة على معشر الخوارج فقتل منهم خلقا كثيرا نحوا من سبعة آلاف، و قتل عبيد اللَّه بن الماجور في جماعة كثيرة من الازارقة، و احتاز من أموالهم شيئا كثيرا، و قد أرصد المهلب خيولا بينه و بين الذين يرجعون من طلب المنهزمين، فجعلوا يقتطعون دون قومهم، و انهزم فلهم إلى كرمان و أرض أصبهان، و أقام المهلب بالأهواز حتى قدم مصعب بن الزبير إلى البصرة، و عزل عنها الحارث بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة كما سيأتي قريبا قال ابن جرير: و في هذه السنة وجه مروان ابن الحكم قبل مهلكه ابنه محمدا إلى الجزيرة، و ذلك قبل مسيره إلى مصر. قلت: محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار، و هو مروان بن محمد بن مروان، و هو آخر خلفاء بنى أمية، و من يده استلبت الخلافة العباسيون كما سيأتي.
قال ابن جرير: و في هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيد اللَّه عن إمرة المدينة و ولاها أخاه مصعبا، و ذلك أن عبيد اللَّه خطب الناس فقال في خطبته: و قد رأيتم ما صنع اللَّه يقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فلما بلغت أخاه قال: إن هذا لهو التكلف، و عزله. و يسمى عبيد اللَّه مقوم الناقة لذلك، قال ابن جرير: و في آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ، و ولى عليها عبد اللَّه بن مطيع الّذي كان أمير المهاجرين يوم الحرة، لما خلعوا يزيد.
قال ابن جرير: و في هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة، و قال ابن الجوزي في المنتظم:
كان في سنة أربع و ستين، و قد قيل إنما كان في سنة تسع و ستين، و هذا هو المشهور الّذي ذكره شيخنا الذهبي و غيره، و كان معظم ذلك بالبصرة، و كان ذلك في ثلاثة أيام، فمات في أول يوم من الثلاثة من أهل البصرة سبعون ألفا، و في اليوم الثاني منها إحدى و سبعون ألفا، و في اليوم الثالث منها ثلاثة و سبعون ألفا، و أصبح الناس في اليوم الرابع موتى الا قليل من آحاد الناس، حتى ذكر أن