البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦١ - خلافة عبد الملك بن مروان
و أمره أن يسير في طلب حبيش، فسار في طلبهم حتى لحقهم بالربذة فرمى يزيد بن سياه حبيشا بسهم فقتله، و قتل بعض أصحابه و هزم الباقون، و تحصن منهم خمسمائة في المدينة ثم نزلوا على حكم عباس ابن سهل فقتلهم صبرا، و رجع فلّهم إلى الشام [قال ابن جرير: و لما دخل يزيد بن سياه الاسوارى قاتل حبيش بن دلجة إلى المدينة مع عباس ابن سهل كان عليه ثياب بياض و هو راكب برذونا أشهب، فما لبث أن اسودت ثيابه و دابته مما يتمسح الناس به و من كثرة ما صبوا عليه من الطيب و المسك.
و قال ابن جرير: و في هذه السنة اشدت شوكة الخوارج بالبصرة، و فيها قتل نافع بن الأزرق و هو رأس الخوارج و رأس أهل البصرة، مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة، ثم قتله ربيعة السلوطى و قتل بينهما نحو خمسة أمراء، و قتل في وقعة الخوارج قرة بن إياس المزني أبو معاوية، و هو من الصحابة. و لما قتل نافع بن الأزرق رأست الخوارج عليهم عبيد اللَّه بن ماجور، فسار بهم إلى المدائن فقتلوا أهلها ثم غلبوا على الأهواز و غيرها، و جبوا الأموال و أتتهم الأمداد من اليمامة و البحرين، ثم ساروا إلى أصفهان و عليها عتاب بن ورقاء الرياحي، فالتقاهم فهزمهم، و لما قتل أمير الخوارج ابن ماجور كما سنذكر، أقاموا عليهم قطري بن الفجاءة أميرا] [١] ثم أورد ابن جرير قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له دولاب، و كانت الدولة للخوارج على أهل البصرة، و خاف أهل البصرة من الخوارج أن يدخلوا البصرة، فبعث ابن الزبير فعزل نائبها عبد اللَّه بن الحارث المعروف بببّه، بالحارث بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة المعروف بالقباع، و أرسل ابن الزبير المهلب بن أبى صفرة الأزدي على عمل خراسان، فلما وصل إلى البصرة قالوا له: إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك، فقال: إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى خراسان، و لست أعصى أمره.
فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة على أن كتبوا كتابا على لسان ابن الزبير إلى المهلب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة، فلما قرئ عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوى حبيشه من بيت مالهم، و أن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج، فأجابوه إلى ذلك، و يقال إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأمضى لهم ذلك و سوّغه، فسار إليهم المهلب. و كان شجاعا بطلا صنديدا، فلما أراد قتال الخوارج أقبلوا إليه يزفون في عدة لم ير مثلها من الدروع و الزرود و الخيول و السلاح، و ذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي، و قد صار لهم تحمل عظيم مع شجاعة لا تدانا، و إقدام لا يسامى، و قوة لا تجاري، و سبق إلى حومة الوغى فلما تواقف الناس بمكان يقال له سل و سل ابرى، اقتتلوا قتالا شديدا عظيما، و صبر كل من الفريقين
[١] سقط من المصرية