البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - و فيها قتل النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري
[و قيل إن أعشى همدان قدم على النعمان بن بشير و هو على حمص و هو مريض، فقال له النعمان:
ما أقدمك؟ قال: لتصلنى و تحفظ قرابتي و تقضى ديني، فقال: و اللَّه ما عندي، و لكنى سائلهم لك شيئا، ثم قام فصعد المنبر ثم قال: يا أهل حمص، إن هذا ابن عمكم من العراق، و هو مسترفدكم شيئا فما ترون؟ فقالوا: احتكم في أموالنا، فأبى عليهم، فقالوا: قد حكمنا من أموالنا كل رجل دينارين- و كانوا في الدايون عشرين ألف رجل- فعجلها له النعمان من بيت المال أربعين ألف دينار، فلما خرجت أعطياتهم أسقط من عطاء كل رجل منهم دينارين] [١] و من كلام النعمان بن بشير رضى اللَّه عنه قوله: إن الهلكة كل الهلكة أن تعمل السيئات في زمان البلاء.
و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو اليمان ثنا إسماعيل بن عياش عن أبى رواحة يزيد ابن أيهم عن الهيثم بن مالك الطائي سمعت النعمان بن بشير على المنبر يقول سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن للشيطان مصالى و فخوخا، و إن من مصاليه و فخوخه البطر بنعم اللَّه، و الفخر بعطاء اللَّه، و الكبر على عباد اللَّه، و اتباع الهوى في غير ذات اللَّه».
و من أحاديثه الحسان الصحاح ما سمعه من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن الحلال بين، و إن الحرام بين، و بين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه و عرضه، و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا و إن لكل ملك حمى، ألا و إن حمى اللَّه تعالى محارمه، ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، و إذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا و هي القلب». رواه البخاري و مسلم.
و قال أبو مسهر: كان النعمان بن بشير على حمص عاملا لابن الزبير، فلما تملك مروان خرج النعمان هاربا فاتبعه خالد بن خلى الكلاعي فقتله. قال أبو عبيدة و غير واحد: في هذه السنة. و قد روى محمد بن سعد بأسانيده أن معاوية تزوج امرأة جميلة جداً فبعث إحدى امرأتيه- قيسون أو فاختة- لتنظر إليها، فلما رأتها أعجبتها جدا، ثم رجعت إليه فقال: كيف رأيتها؟ قالت: بديعة الجمال، غير أنى رأيت تحت سرتها خالا أسود، و إني أحسب أن زوجها يقتل و يلقى رأسه في حجرها. فطلقها معاوية و تزوجها النعمان بن بشير، فلما قتل أتى برأسه فألقى في حجرها سنة خمس و ستين، و قال سليمان بن زير قتل بسلمية سنة ست و خمسين. و قال غيره: سنة خمس و ستين، و قيل سنة ستين و الصحيح ما ذكرناه.
و فيها توفى المسوّر بن مخرمة بن نوفل، صحابى صغير، أصابه حجر المنجنيق مع ابن الزبير بمكة و هو قائم يصلى في الحجر. [و هو من أعيان من قتل في حصار مكة و هو المسوّر بن مخرمة بن نوفل أبو عبد الرحمن الزهري، أمه عاتكة أخت عبد الرحمن بن عوف، له صحبة و رواية، و وفد على معاوية،
[١] سقط من المصرية.