البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٨ - إمارة عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنهما
تركها الصديق لعمر، و إن شئتم تركتها شورى في ستة منكم كما تركها عمر بن الخطاب، و ليس فيكم من هو صالح لذلك، و قد تركت لكم أمركم فولوا عليكم من يصلح لكم. ثم نزل و دخل منزله فلم يخرج منه حتى مات (رحمه اللَّه تعالى). و يقال إنه سقى و يقال إنه طعن.
و لما دفن حضر مروان دفنه فلما فرغ منه قال مروان: أ تدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم معاوية ابن يزيد، فقال مروان: هو أبو ليلى الّذي قال فيه أر ثم الفزاري
إني أرى فتنة تغلي مراجلها* * * و الملك بعد أبى ليلى لمن غلبا
قالوا: فكان الأمر كما قال، و ذلك أن أبا ليلى توفى من غير عهد منه إلى أحد، فتلغب إلى الحجاز عبد اللَّه بن الزبير، و على دمشق و أعمالها مروان بن الحكم، و بايع أهل خراسان سلم بن زياد حتى يتولى على الناس خليفة، و أحبوه محبة عظيمة، و سار فيهم سلم سيرة حسنة أحبوه عليها، ثم أخرجوه من بين أظهرهم. و خرج القراء و الخوارج بالبصرة و عليهم نافع بن الأزرق، و طردوا عنهم عبيد اللَّه بن زياد بعد ما كانوا بايعوه عليهم حتى يصير للناس إمام، فأخرجوه عنهم، فذهب إلى الشام بعد فصول يطول ذكرها، و قد بايعوا بعده عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل المعروف ببّة، و أمه هند بنت أبى سفيان، و قد جعل على شرطة البصرة هميان بن عدي السدوسي، فبايعه الناس في مستهل جمادى الآخرة سنة أربع و ستين، و قد قال الفرزدق
و بايعت أقواما وفيت بعهدهم* * * و ببة قد بايعته غير نادم
فأقام فيها أربعة أشهر ثم لزم بيته، فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير فكتب ابن الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلى بالناس، فصلى بهم شهرين، ثم كان ما سنذكره. و خرج نجدة بن عامر الحنفي باليمامة، و خرج بنو ماحورا في الأهواز و فارس و غير ذلك على ما سيأتي تفصيله قريبا إن شاء اللَّه تعالى.
إمارة عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنهما
و عند ابن حزم و طائفة أنه أمير المؤمنين في هذا الحين قد قدمنا أنه لما مات يزيد أقلع الجيش عن مكة و هم الذين كانوا يحاصرون ابن الزبير و هو عائذ بالبيت فلما رجع حصين بن نمير السكونيّ بالجيش إلى الشام، استفحل ابن الزبير بالحجاز و ما والاها، و بايعه الناس بعد يزيد بيعة هناك، و استناب على أهل المدينة أخاه عبيد اللَّه بن الزبير، و أمره باجلاء بنى أمية عن المدينة فاجلاهم فرحلوا إلى الشام، و فيهم مروان بن الحكم و ابنه عبد الملك، ثم بعث أهل البصرة إلى ابن الزبير بعد حروب جرت بينهم و فتن كثيرة يطول استقصاؤها، غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحوا من أربعة أمراء من بينهم ثم تضطرب أمورهم، ثم بعثوا إلى ابن الزبير