البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٩ - و هذه ترجمة يزيد بن معاوية
ذهب علماء الناس، ثم أنشد متمثلا.
مغاض عن العوراء لا ينطقوا بها* * * و أصل وراثات الحلوم الأوائل
و قد كان يزيد أول من غزي مدينة قسطنطينية في سنة تسع و أربعين في قول يعقوب بن سفيان.
و قال خليفة بن خياط: سنة خمسين. ثم حج بالناس في تلك السنة بعد مرجعه من هذه الغزوة من أرض الروم.
و قد ثبت في الحديث أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «أول جيش يغزو مدينة قيصر مغفور لهم»
و هو الجيش الثاني الّذي رآه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في منامه عند أم حرام فقالت: ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: «أنت من الأولين». يعنى جيش معاوية حين غزا قبرص، ففتحها في سنة سبع و عشرين أيام عثمان بن عفان، و كانت معهم أم حرام فماتت لك بقبرص، ثم كان أمير الجيش الثاني ابنه يزيد بن معاوية، و لم تدرك أم حرام جيش يزيد هذا. و هذا من أعظم دلائل النبوة.
و قد أورد الحافظ ابن عساكر هاهنا الحديث الّذي رواه محاضر عن الأعمش عن إبراهيم بن عبيدة عن عبد اللَّه. أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». و كذلك رواه عبد اللَّه بن شفيق عن أبى هريرة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله.
ثم أورد من طريق حماد بن سلمة عن أبى محمد عن زرارة بن أوفى قال: القرن عشرون و مائة سنة، فبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في قرن و كان آخره موت يزيد بن معاوية. قال أبو بكر بن عياش: حج بالناس يزيد بن معاوية في سنة إحدى و خمسين و ثنتين و خمسين و ثلاث خمسين. و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا أبو كريب ثنا رشد بن عمرو بن الحارث عن أبى بكير بن الأشج أن معاوية قال ليزيد: كيف تراك فاعلا إن و ليت؟ قال: يمتع اللَّه بك يا أمير المؤمنين، قال لتخبرني: قال، كنت و اللَّه يا أبة عاملا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان اللَّه يا بنىّ و اللَّه لقد جهدت على سيرة عثمان بن عفان فما أطقتها فكيف بك و سيرة عمر؟
و قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبى سبرة عن مروان بن أبى سعيد بن المعلى قال قال معاوية ليزيد و هو يوصيه عند الموت: يا يزيد!! اتّق اللَّه فقد وطأت لك هذا الأمر، و وليت من ذلك ما وليت، فان يك خيرا فأنا أسعد به، و إن كان غير ذلك شقيت به، فارفق بالناس و أغمض عما بلغك من قول تؤذى به و تنتقص به، وطأ عليه يهنك عيشك، و تصلح لك رعيتك، و إياك و المناقشة و حمل الغضب، فإنك تهلك نفسك و رعيتك، و إياك و خيرة أهل الشرف و استهانتهم و التكبر عليهم، و لن لهم لينا بحيث لا يروا منك ضعفا و لا خورا، و أوطئهم فراشك و قربهم إليك و ادنهم منك، فإنهم يعلموا لك حقك، و لا تهنهم و لا تستخف بحقهم فيهينوك و يستخفوا بحقك و يقعوا فيك،